شواطئنا بين الاهمال والاستثمار
لم أعد اذكر كم من الاعوام مضت على آخر زيارة لي لهذا الشاطئ المفعم بالذكريات، كنا صغارا ولم نكن نقّدر حينها نعمة البحر كما نفعل الآن. كان بلاج الجزائر بالنسبة لنا شاليه صغير في نهاية الساحل .. يوم جميل برفقة الاهل والاصدقاء نقضي نهاره في السير عدة أميال داخل البحر وسط تحذيرات الكبار بعدم الابتعاد عن الشاطئ والتشديد على تجنب سلطعونات البحر. ومع حلول المساء كان الجميع صغار وكبار يلتفون حول موقد الشواء لتناول وجبة العشاء والدردشة على صوت وأغاني كوكب الشرق المنسابة عبر مذياع والدي القديم.
لست أدرى ما الذي ذكرني اليوم مجددا بهذا الشاطئ، هل هي رائحة البحر التى أفتقدتها أو الحنين الى الذكريات أم هي الألفة والاعتياد التي تربط بيننا نحن الخليجيين وبين البحر.
حينما وصلنا الى المكان كان الساحل يعج بعشرات العائلات أفترش العديد منهم الارض لعدم وجود أماكن كافية .. كان الطقس رائعا بحق وفيما عدا بعض المخلفات البسيطة والاعشاب البحرية فأن الساحل يعد نظيفا مقارنة بغيره من شواطئ البحرين. الا ان هذا المنظر لم يشوهه سوى الهياكل الكئيبة للعرشان والعاب الاطفال المتهالكة ، دورات المياه القديمة التي يعلو كل شئ فيها الصدأ .. صنابير المياه المعطوبة.. هذا في الجزء الامامي فقط من الساحل اما المتبقي منه فلا وجود لأية مرافق سوى هذه البقايا من الاخشاب.

شعرت بالاسف فعلا فلقد مر على انشاء هذه المرافق أكثر من عشرين عام ومع ذلك لم تمتد ايدى الصيانة والاصلاحات لها ولم يفكر أحد المسئولين أو القائمين على بلدية المنطقة بالنظر الى ما آل اليه حال هذا الشاطئ.
حينما عدت الى المنزل في المساء أبلغني أحدهم عن هذا الخبر الذي لم يمض على اعلانه سوى عدة ايام:
“وقعت كل من مجموعة الاثمار البحرينية ومجلس التنمية الاقتصادية اتفاقية تفاهم تقيم بموجبها الاولى منتجعا سياحيا ضخما بكلفة 800 مليون دولار أمريكى بالاضافة الى عمليات تطويرية شاملة لساحل بلاج الجزائر وتتضمن الاتفاقية بناء سلسلة فنادق من فئة الثلاث والاربع نجوم فى الجهة المقابلة للساحل على الطراز المعمارى البحرينى القديم وانشاء برجين متداخلين بكلفة 175 مليون دولار على أرض مساحتها 7 الاف متر مربع بمنطقة السيف سيخصص الاطول منهما بارتفاع 40 طابقا لاول مشروع سياحى من نوعه فى البحرين حيث تقدم المجموعة من خلاله أول فندق سياحى عائلى تتوافق خدماته مع أحكام الشريعة الاسلامية ويتضمن البرج الثانى بارتفاع 25 طابقا المقر الرئيس للمجموعة والموءسسات التابعة لها وكشف الرئيس التنفيذى لشركة اثمار عن أن الشركة قامت بتوقيع عقد استأجرت بموجبه ساحل بلاج الجزائر والمنطقة المتاخمة له لمدة 99 عاما لتنفيذ المشروع السياحى على مرحلتين الذى يتضمن تأسيس عدد من المرافق السياحية ذات الطابع المعمارى البحرينى وذلك من خلال مرحلتين
وقال أن المرحلة الاخيرة سوف تشمل انشاء عدد من الجزر الصغيرة فى الجزء الجنوبى من الساحل اضافة الى عمليات تطويرية لمنطقة الشاليهات وأكد المهندس السيد أن الشركة سوف تلتزم التزاما كبيرا بتقديم نموذج راق من السياحة العائلية من خلال مشروع منتجع بلاج الجزائر بحيث تمكن جميع شرائح المجتمع البحرينى من ارتياد ساحل سياحى مشيد على أعلى مستويات المفهوم السياحى وبما يلبى جميع حاجات المجتمع فى المطاعم والمقاهى والمحلات التجارية التى سوف تكون جزءا من المشروع الفندقى الضخمواشار الى أن عمليات تنفيذ المرحلة الاولى من المشروع سوف تبدأ مطلع العام المقبل وتستغرق مدة تتراوح بين 3 الى 4 أعوام وأن المجموعة سوف تعمل على استمرار ارتياد العامة للساحل خلال فترة التشييد”.
ساحل آخر تطاله ايدى المستثمرون .. ساحل آخر سيتحول الى منطقة سيف جديدة والى سلسلة من المطاعم والمقاهي .. لست أدرى لماذا يرتبط مفهوم السياحة عندنا بالفنادق والمطاعم؟ لماذا لا يترك البر والبحر على طبيعتهما ؟ لماذا نحتاج الى تشييد المباني المرتفعة وناطحات السحاب في كل مشروع سياحي ؟ هل هي وسيلة جديدة لنؤكد للعالم بأننا متقدمون اقتصاديا أم انها لوثة وأصابت القائمين على السياحة في الخليج؟



