حينما كنا صغاراً كان آباءنا يسألوننا ماذا نريد ان نكون حينما نكبر وحينما كبرنا تغير السؤال فأصبحنا نُسأل اين نرى انفسنا بعد عشر سنوات من الآن؟
لم يسألنا أحد ماذا نريد ان نكون الآن لا بعد عام او عشرة من الآن، لم يسألنا أحد ماهو مصدر راحتنا وسعادتنا
الاسبوع الماضي قدمت استقالتي من عملي حينما شعرت بأن اللحظة المناسبة قد حانت لإتخاذ قرار ارجأته أكثر من أربع سنوات، نلت خلالها مانلت من تعاسة واكتئاب وامراض نفسية وجسدية بسبب بعض النماذج السيئة التي مررت بها في العمل وشغلي لوظيفة لم تكن تلبي لي طموحي أو تتوافق مع ميولي وقدراتي أوصلتني لحالة يأس مزرية كانت تجتر معها اسوء المشاعر والافكار . لم انتظر ريثما أحصل على فرصة عمل أخرى كما نصحني البعض، لم اتردد كما كنت أفعل في كل مرة، شيئاً ما كان يدفعني لإتخاذ هذه الخطوة، شيئاً ما كان يقول لي ان السباحة ضد التيار ليس عملاً بطولياً علي الدوام وان الاستسلام لوضع خاطئ ليس قناعة بل خنوع، شيئاً ما جعلني اصم اذناي عن كل الاصوات التي كانت تحاول ان تثنيني عن قراري وتصفه بالتهور الغير مدروس .. ربما كان حدسي .. احساسي .. صوت التجارب السابقة التي مررت بها
الحياة ليست ثابتة .. لاشئ فيها كذلك وحينما تتزعزع الارض تحت اقدامنا فهذه اشارة إلى ان الوقت قد حان للتخلى عن اماكننا واستكشاف ملاذ آخر لآمالنا واحلامنا. الأمان والاستقرار ليسا نعمة بالضرورة فحينما نركن اليهما نهمل احلامنا ونقتات علي الروتين المعتاد، يموت بداخلنا شئ مهم هو الاحساس بمعنى وقيمة الاشياء، نتوقف عن التأمل والاستمتاع بالتفاصيل الصغيرة ويصبح اليوم مثله مثل الامس مثل الغد. قليلون منا من يفكرون في التغيير حينما يقفون على ارض صلبة لايواجهون فيها العواصف
هذا ماتعلمته من “ج” زميل عمل في أول وظيفة التحقت بها بعد التخرج، “ج” كان يعتنق الديانة الهندوسية وعدا قلة من الموظفين كنت من بينهم كان الغالبية يتجنبون مخالطته وتناول الطعام معه بل حتى مصافحته. ولكن “ج” بالنسبة لي كان أكثر من ديانة، كنت استمتع بقصصه التي لاتخلو جعبته منها ابداً وكنت اتساءل بيني وبين نفسي من اين يأتي بكل هذه الحكايات التي لاتنتهي. “ج” لم يكن بارعاً فقط في سرد القصص بل في قراءة افكار من حوله والوصول إلى اعماقهم ففي آخر يوم عمل لي معه وبينما كنت أجمع حاجياتي استعداداً لترك مكتبي بعد ان قدمت استقالتي للالتحاق بعمل آخر شعر “ج” بمخاوفي وحزني الذي لم أعلن عنه لوداع المكان الذي شهد انتصاراتي وهزائمي .. قلت له : يقولون ان الله عادل ولكنني لاأري العدالة التي يتحدثون عنها فالنصرة في عصرنا هذا من نصيب المنافقين والانتهازيين، فقال لي اذاً اسمعي هذه القصة: كان هناك ملك تربطه صداقة حميمة بوزيره فكان يصطحبه معه إلى اي مكان يذهب إليه حتى ذلك اليوم الذي كان فيه الملك يحاول قطع جذع شجرة فقطع اصبعه فلم يكن من الوزير الا ان قال ” الحمدلله ” فاستاء الملك كثيراً من تعليق الوزير وامر جنوده بإيداعه السجن فنطق الوزير مجدداً ” الحمدلله “. في اليوم التالي خرج الملك للصيد فأبتعد عن حدود مملكته فوقع اسيراً لأحد القبائل التي احتجزته لكي تقدمه قرباناً لآلهتهم الا ان اصبعه المقطوع حال دون تنفيذ ذلك فقد كان قانون القبيلة يمنع تقديم القرابين المصابة بالامراض او التشوهات فأطلقوا سراحه وعاد لمملكته. فكر الملك بعد عودته في اصبعه المقطوع الذي كان سبب نجاته وأمر بالافراج عن الوزير وقال له: لقد كنت محقاً حينما حمدت الله على ما اصابني من ضر ولكني لم أتوقع ان تبقى علي اصرارك حتى حينما اودعتك السجن فقال الوزير: لو لم أكن في السجن ذلك اليوم لاصطحبتني معك ولكنت القربان بدلاً منك. ومغزى القصة ان بعض المحن وان بدا ظاهرها سيئاً قد تتحول لاسباب للخير والعكس صحيح
معظمنا وفي غمرة تفكيره في المستقبل وكيفية عيشه وتأمينه ينسى ان يعيش يومه ويستمتع بحاضره. حينما قلت للبعض انني تركت عملي لأني لم أكن اشعر بالسعادة والرضا كان الرد: ومن منا سعيد في عمله، في النهاية عملك هو مايؤمن لك رزقك وحياتك وليس مطلوباً منك ان تحبيه بل ان تؤديه كما يفعل معظم الناس
لن أنكر انني فكرت كثيراً في كلامهم ولكن السلام الداخلي الذي أعيشه مع نفسي والمحيطين بي منذ ان تركت عملي لم يترك لي مجال للشك بصحة قراري
طوال الايام التي مضت كنت ابحث عن اجابة لهذا السؤال .. لماذا نعمل؟ وايهما أهم المال ام السعادة والرضا الوظيفي؟ واذا لم نستطع الموازنة بين الاثنين وكان علينا ان نختار فلمن سترجح الكفة؟ لم أتوصل لإجابة تصلح للجميع لأن حساب الارباح والخسائر يختلف من شخص لآخر تبعاً لاولوياته وظروف حياته وانا أخترت ان أربح حريتي وراحتى النفسية. اجريت العديد من الاختبارات على الانترنت، قرأت الكثير من القصص والتجارب وكان أفضلها هذا الموقع الذي يستعرض فيه صاحبه تجربته الشخصية ويشارك زوار الموقع من خلال فيديو قام بإعداده المعايير التي يمكن ان نستند عليها لإتخاذ قرار ترك العمل والتي تعد في وجهة نظرى من أكثر المعايير واقعية واتزاناً
استطيع ان اقول الآن انني لست نادمة اطلاقاً على قراري بل ان لدي شعور أقرب إلى اليقين ان الغيوم السوداء ستنقشع قريباً من سماءي وسيبزغ فجر يوم جديد سيكون أجمل بكثير من الامس
يزعجها ان تستذكر خيبة الطرق المسدودة التي انتهت اليها، المخارج الكثيرة التي لم تفطن اليها، الجدران التي استعبدتها فصدقت انها تحبها وتحنو عليها، يزعجها خوفها وتوجسها خيفة كلما منحتها الحياة فرصة الفرار من متاهتها
يزعجها ارتيابها حينما تبدو التفاصيل (عن قرب) افضل وأجمل مما ينبغي، يزعجها ان تتحول الاسئلة إلى فرشاة ترسم حياتها بعشوائية لاتملك التحكم فيها .. عدم التصالح مع احساسها.. كيف يمكن ان يسكن الصمت والهدوء داخل روح لاتهدأ؟
يزعجها ان تحيك قصصهم بمهارة وتفشل في كتابة أول فصل من فصول قصتها
يزعجها ان تتحول متاهتها إلى حرية يتنفسها عقلها و يرفض قلبها التخلي عن اسوارها
لاأعرف كيف استسلمت للنوم ثانية رغم اني نمت مبكراً ليلة البارحة واستيقظت متأخرة هذا الصباح، ما أتذكره الآن انني أفقت على صور مبهمة، ثلاثة أحلام متداخلة أشبه بالافلام السينمائية القصيرة لايمت احدها للآخر بصّلة. كنت اتأرجح في السماء، لم أكن خائفة ولكني لم أكن مطمئنة، اعتقد بأن مصدر قلقي كان عدم رؤيتي لليابسة اذ لم أكن أرى حينما ترتفع الارجوحة إلى الاعلى او تهبط إلى الاسفل سوى الغيوم .. غيوم بيضاء كثيرة متفرقة في سماء شديدة الزرقة، ثم وجدت نفسي أبحث عن فردتي حذائي بين احذية كثيرة ملقاة على الارض، لم أكن اعرف اصحاب الاحذية ولكن كان لدى شعور مؤكد أنها احذية من صعدوا للتأرجح في السماء
————
كمطلع بعض الاغنيات التي نسمعها في مكان ما ثم تظل تتردد في رأسنا طوال اليوم بلا هوادة استمر هذا المقطع من أحد الافلام يطاردني طوال الساعات الماضية نحن في الورطة نفسها، كلانا عالقان .. انت في جسدك وانا في شقتي ————
من أين أتينا؟ ما نحن؟ الى أين نحن راحلون؟
هذه ليست اسئلتي بل عنوان لوحة للفنان بول غوغان تطرح بعض الاسئلة الوجودية التي لم تعد تؤرقني كثيراً الآن، ليس لأني تخليت عن عادتي في الانشغال بهذا النوع من المواضيع ولكن لأن جدل من نوع آخر تمكن مني هذه الايام
————-
TO WHOM IT MAY CONCERN
I felt it shelter to speak to you
لم يكن العقد الذي انفرطت حباته فجأة على الارض ولا البرواز الفارغ المهمل على الرف بيد انني اسقطت العقد مرة اخرى ليلة البارحة والبرواز الفارغ بقى فارغا حتى هذه اللحظة
——
لا أخشى المرض و لا أخشى الموت ولكن جل ما أخشاه ان انتهي كمجهولة نهر السين .. إمرأة لايتعرف عليها أحد
——
حصيلة الاكتئاب : اقراص مهدئة .. ست روايات .. عشرون فيلما .. وتعلق مفاجئ بكلاسيكيات كنت ادعوها بــ المملة
—–
قررت ان اتوقف عن الشعور بالرثاء لنفسي، لازال هناك شيئان لم يصابا بالشلل بعد .. مخيلتي وذاكرتي
لاأعرف لماذا محوت مدونتي القديمة قبل يومين ولماذا افكر الآن في محو هذه التدوينة قبل ان ابدأها؟ .. لماذا تتقاذفني دائما رغبة نشر ما كتبت ورغبة محوه في الوقت ذاته
أفكر احياناً ان كان من الحكمة ان اطلق العنان لكل الافكار التي تدور في رأسي لتنساب بشكل طبيعي وتلقائي دون مواربة او تحفظات؟ ان كان هناك فائدة في اطلاع الآخرين على المساحات الفارغة في حياتي .. احباطاتي وهفواتي المتكررة التي لاتبادلني الرغبة في الخلاص .. أجد نفسي مشتتة بين الرغبة في المكاشفة والتعبير عن الذات وبين خشيتي من خرق الخصوصية والتقاليد .. استرجع عبارة احداهن:”كلنا بحاجةٍ إلى شخصٍ لا يعرفنا لنعترف ونثرثر، تماماً كما نفعل لدى الطبيب النفسي، شخص يستمع إلينا بدون أفكار مسبقة كما يفعل الآخرون الذين نخجل من تعرية أنفسنا أمامهم، الجاهزون دائماً لإدانتنا”.. افكر الآن ان كان قرار التجرد من اسمي المستعار فكرة صائبة؟ اقنع نفسي بأني مختلفة ولاأفكر بطريقة نمطية ولكني افشل عند أول سطر واضبط نفسي متلبسة بجرم تضليل الكلمات
هذه ليست فكرتي الاولى .. هذه نسخة معدّلة بعد اضافة وحذف بعض الرتوش .. وهذه ليست انا .. هذا ضعف متكابر يرفض الاعتراف بوجوده .. احن لإستعادة “أناي” القديمة ولاأعرف ان فات الوقت على ذلك
أنا عندي حنين
“Life is made up of small pleasures. Happiness is made up of those tiny successes. The big ones come too infrequently. And if you don’t collect all these tiny successes, the big ones don’t really mean anything.” ~ Norman Lear
يقول مطلع اغنية للسيدة فيروز “انا عندي حنين مابعرف لمين” .. وانا عندي حالة حنين غريبة هذه الايام لكل المتع الصغيرة التي افتقدتها في غمرة تفكيري في الغد وفي تحقيق مافاتني خلال السنوات الماضية .. انا عندي حنين لنزوات صغيرة بدأت مع انهيار حميتي الغذائية امام حلوى تعود لايام الطفولة .. للطائرات الورقية .. لنفخ فقاعات الصابون .. للمس رمال البحر الناعمة .. لركوب الدراجات .. لملأ العلب المعدنية بالاسماك الملونة الصغيرة من جداول الماء .. لرائحة العشب .. للتسمر في عز الظهيرة خلف الواجهة الزجاجية لمصنع لتعبئة المياه الغازية لمراقبة القوارير وهي تمر في حركة دائرية على الحزام الاسود .. لجنّة عبدالرحمن .. لقصص الجارة اسماء .. للطيبة “طيبة” .. لحكايات الجدة التي تختلف نهايتها في كل مرة تقصها علينا
تخبرني سارة كيف كان عيد الحب مضجرا بالنسبة لها هذا العام وكيف تورمت اصابع قدميها من المشي والتنقل بين محلات التحف القديمة ومخازن الاثاث التي اصطحبها والدها اليها صبيحة عيد الحب .. تقول سارة تفنن والدي وبشكل متقن في اضاعة اليوم او ربما في اضاعة ذاكرته المثخنة بجراح الخيانة
قلب سارة الاخضر لم يعتد بعد على حياة الانقسام والتشتت بين زوجين جمع بينهما الحب وفرق بينهما الغدر .. قلت في نفسي انها القصة المعتادة .. المظلة والحذاء المبتل .. التاريخ يعيد نفسه مخلفا وراءه الآف القلوب المعطوبة .. والحذاء المبتل قد يُستبدل بحذاء آخر ربما يكون اكثر اهتراء من الأول .. حبيب او حبيبة .. زوج او زوجة .. صديق او صديقة .. لايهم من يتحول في حياتنا إلى حذاء مبتل ومن يكافئ مظلة الحب بعواصف الغدر .. المهم ان الاحذية المبتلة والمهترئة لاتصمد طويلا ولاتتحمل السير ولا غزارة المطر
قلت لسارة لايهم ان فقدتِ يوما مظلتك او اضطررت ان تتخلى عن حذائك .. الاهم ان لاتنسى ان لديك قدمين على الارض .. تابعي السير حتى لو كنِت حافية القدمين فضحكت سارة وقالت: دعكِ من الاحذية والمظلات، اريد ان ألمح الحب والسعادة في عيون ابي .. لا أريده ان يمضى حياته مطلق ووحيد فقلت: وماذا لو لم تستطيعي التآلف مع المرأة الأخرى؟ ماذا لو ان مظلتها لا تتسع لقلبك وقلب والدك معا؟ فضحكت سارة مجددا وقالت: حينها سأصبح سندريلا
آه ياسارة … لو تعلمين مقدار مقتي لقصة السندريلا الذي قد يضاهي مقتك للتسوق في محلات الاثاث ان لم يتفوق عليه.. لو تدركين كم هي ذكورية ومستفزة حكاية الفتاة الضعيفة التي تنتظر الأمير الفارس لينقذها من براثن الظلم والفقر .. هل تعرفين عدد الامراء والفرسان الذين يستبدلون سندريلاهم اليوم بأخرى حتى وان لم يتطابق مقاس قدمها مع فردة حذاء فتاة احلامهم؟ هل تعرفين كم سندريلا تغير اميرها اليوم مثلما تغير احذيتها؟ .. ستقولين الاحذية مجددا؟؟ لابد انك لا تعلمين مقدار تربع الاحذية على عرش قلوب النساء .. الم أخبرك عن قصة مصمم الاحذية الايطالي الشهير مع المتيّمات باحذيته اللاتي احتشدن امام بوتيكه منذ الصباح الباكر ليحظين بشرف توقيعه على احذيتهن؟ الم أخبرك كيف احتضّن الفتيات والامهات زوج الاحذية الممهور بتوقيعه بلهفة وشغف كما لم يحتضن ابنائهن او ازواجهن من قبل؟
اعذريني ياسارة فقد اقحمتك مجددا في قصص الاحذية والمظلات ولكن حينما تهب رياح الغدر العاتية فلن يستطيع ايقافها شئ .. وحينما يهطل المطر جربي ان تنسي امر مظلتك وحذاءك وفكري لماذا لاترتدي الطبيعة مظلة ولاحذاء .. لماذا تستقبل كل ما تمنحها الارض او السماء دونما اعتراض .. كل شئ يحتاج الى التجدد والبلل ياسارة حتى قلب والدك المعطوب