بيروت كما رأيتها: لوحة لم تكتمل
أقف قبالة بيت أثري في “عين المريسة” بالعاصمة البيروتية متأملة نوافذه المقوسة المتشحة بالسواد .. ينادى رجلا خمسينياً من المتجر المجاور، “هل تعرفين قصة هذا البيت؟ يبدأ الرجل قصته وينتهي بحديث آخر عن “بيروت” التي عصفت بها جميع أنواع النكبات .. حروب .. معارك .. اوبئة .. حرائق .. غرق .. زلازل .. انقسامات طائفية.وأسأل نفسي: كيف يمكن لهذه المدينة المُنهكة ان تظل نابضة بعد كل هذه النكبات التي مرت ومازالت تمر بها؟

لاأعرف بالتحديد ان كان البيروتيون يستمدون صبرهم وصمودهم من صمود مدينتهم او هو العكس ولكن يبدو ان هذا الصمود هو أمر بديهي توافقت عليه بيروت. ولكن حينما تستنفذ هذه المدينة صبرها فستدرك ذلك من خلال اصغاءك للرسائل التي تصلك عبر الجدران .. ليش بعدها الكهرباء مقطوعة؟ .. حارب الإغتصاب .. فكر لبناني، فكر علماني والعديد من الشعارات والرسوم التعبيرية التي تعبر عن هموم بيروت ومشاكلها السياسية والإجتماعية. فليس هناك أفضل من جدران المدينة لتتقاسم همومك مع الآخرين حينما لاتستجيب المنابر الرسمية لصوتك وتكرار استغاثاتك. ويبدو انه عصر إعلام المواطن بدون منازع فبعد ان كانت الإنتفاضات حكراً على الشارع أنضمت لها جدران المدن وجدران إفتراضية أخرى أكثر رحابة كشبكات التواصل الاجتماعي التي أصبح صداها والتفاعل معها أكبر بكثير من وسائل الإعلام التقليدية
على ان هذا النوع من الإنسجام المفقود بين الُسلطة وشرائح المجتمع ليس الوحيد من نوعه في هذه المدينة، فبيروت مدينة غير متناسقة من حيث المعالم أوالأبنية فطابع عمارتها المتباين لايشكل نسيجاً متسقاً مع بعضه البعض او مع محيطه ومن الصعب التكهن بالحقبة الزمنية التي يعود لها هذا المبنى او ذاك فالقليل منها يشبه الآخر. ويبدو ان الشرفات في بيروت قد اصبحت هي المهيمنة على المشهد العمراني في الوقت الذي تراجعت فيه الحدائق المنزلية والحدائق العامة امام المد العمراني بعد ان تحولت معظم الباحات الخالية امام المنازل لمواقف للسيارات بسبب تفاقم مشكلة الازدحام في بيروت
هناك فلسفة إستثنائية تتعلق بجمال المدن لايمكن ان تنطبق الا على هذه المدينة العريقة “فبعض انواع الجمال قد يتولد عن جمال ناقص”. جمال بيروت الفوضوي وتفاوت العمر الزمني لمبانيها التي لازالت تقف شامخة على أرض تفتقر للكثير من الخدمات والبنى التحتية يشبه تلك اللوحات التي يتشارك فنانون من مدارس ومستويات فنية مختلفة في رسمها، لوحة لاتكتمل ابداً. هناك دائما مساحة شاغرة منها لألوان مغايرة قد يعتبره البعض تشويه لها وقد يعتبره البعض الآخر قيمّة فنية. ومهما كانت هذه الإضافات صادمة لبصرك فهي من جهة أخرى تحدً لتوقعاتك وما أختزلته ذاكرتك من صور ومشاهد لمدن أخرى. حينما تفكر في بيروت، عليك ان تنسى نسيج المدن التقليدية او تلك المنقولة عن المدن الغربية فبيروت مدينة ترفض بيوتها ان تصطبغ بلون واحد أو ان تصهر تاريخها في حقبة أو بوتقة ثقافية واحدة رغم زحف المبان الحديثة
هناك مزيج من العشوائية والتناقض تطغى على روح بيروت وهي الروح التي تمنح البيوت القديمة المتهالكة خلفية من المساحات الزجاجية لناطحات سحب حديثة التشييد، والتي تجعل الشرفات الرخامية الفنية الرائعة تطل من بين الخرائب، وتضع مناطق راقية تضاهي في بذخها افخم العواصم الاوروبية مقابل بعض الشوارع القذرة والاحياء الفقيرةا
وعلى الرغم من الجمال الذي لازال ينفض عن نفسه آثار قبح الحرب والتلوث، على الرغم من الحركة والاصوات التي لاتتوقف في شوارع بيروت منذ الصباح الباكر الا ان حزن غريب يظل يلف اجواءها ليمنعك من التآلف التام معها. إذا مشيت يوماً في مدينة وشعرت بكل هذا الكم من التناقضات ولم تسعفك الكلمات للتعبير عن احساسك بها فإبتسم، فأنت في بيروت
Danish – Arab Urban Arts Festival, Beirut 25 Feb. 2012
















يقول المصريون (اللي يشرب من مية النيل لازم يرجع لها تاني)، وهكذا وبعد مرور أكثر من عشرة أعوام وجدت نفسي مجددا وبترتيب غريب من القدر أتوه في زحام القاهرة وأغرق في تفاصيلها الصغيرة المفعمة بالحياة.