Archive for the ‘مُدن وصور’ Category

إجتماع المدونين العرب الثاني .. مابقى في الذاكرة

Posted on 2010 01, 26 by Suad

عادة ما تعلق الاماكن بذاكرتي بعد عودتي من اي رحلة للخارج ولكن زيارتي الاخيرة لبيروت كانت الاستثناء فأكثر مازال عالقاً في ذهني حتى اليوم هو الوجوه والاسماء التي تقاسمت معها العديد من اللحظات الجميلة. التآلف السريع الذي ربط بيني وبين لينا .. تسكعي حتى منتصف الليل في شوارع بيروت مع غيداء وشادن وميس .. مارسين الذي اطلق عليه الجميع الرجل الابيض لأنه لانه لايرتدي الا الملابس البيضاء.. حديث سريع مع منال في باص اقلنا لوحدنا من مطعم الصياد لفندق روتانا حازمية .. عقاب المتأخرين عن حضور الاجتماع (غناء، رقص او تمارين رياضية) والذي يبدو ان ليال قد نالت النصيب الاكبر منه .. حيدر الذي لاأعرفه الا بأسم حمزوز يتجول بين المدونين معلقاً على ظهره علم العراق .. مناوشاتي الدائمة مع عمر التي تحولت في الايام الأخيرة لصداقة أعتز بها .. الابتسامة التي لاتفارق وجه سامي بن غريبة .. بكاء جيليان تأثراً في اليوم الأخير من الاجتماع .. تعليقات أميرة الساخرة  .. عرض سليم عمامو – أكثر شخصية مرحة التقيتها في الاجتماع – عن فلسفة الانترنت ورقصه على الموسيقى المصاحبة لشرائح العرض

ستة ايام تقريباً انقضت في لمح البصر عدت منها محملة بالذكريات وبواحد وعشرين كتاباً من معرض بيروت العربي الدولي إضافة لكتاب هلال شومان “مارواه النوم” الذي أهداني اياه بعد ان التقيته صدفة وهانيبال في المعرض وأخذت بمشورتهما في بعض الروايات والكتب

ستة ايام اغدق علينا منظموا الملتقى، مؤسسة هينرش بل وأصوات عالمية أون لاين بدعم من هايفوس و أوبن سوسايتي انستيوت بما لذ وطاب من المأكولات اللبنانية اللذيذة  التي ضافت لوزني كيلوغرامات اخرى سيصعب على التخلص منها الآن.  في الاستمارة التي اعطيت لنا لندلى بآراءنا حول الملتقى والتنظيم كتبت “تمنيت لو تم الاستغناء عن بعض دعوات العشاء وتم استبدالها برحلات سياحية يستطيع المدونون من خلالها التعرف على لبنان وعلى بعضهم البعض بشكل افضل” فقد كان العدد كبيراً (٨٠ مدوناً تقريباً) وكان الملتقى مقسماً إلى ورش تدريبية وحلقات نقاشية متوازية يختار المشارك منها مايحتاجه

ليال اتفقت معي في الرأي فقد سألتني في احد فترات الاستراحة ما إذا كنت قد زرت بيت الدين وبعلبك ومدينة صور وقصر موسى ومحمية الباروك وفاريا من قبل فرفعت حاجباي تعجباً فبعض الاماكن كنت اسمع عنها للمرة الأولى رغم انني زرت لبنان سابقا ومكثت فيها مايقارب الثلاثة اسابيع.  ويبدو ان ليال قد التقطت شعوري بالحرج فأضافت” لستِ الملامة ولكنها وزارة السياحة عندنا التي تروج للحياة الليليلة وكأنها السياحة الوحيدة المتوفرة في لبنان!!”  فكرت كثيرا في اللافتات المنتشرة في شوارع بيروت .. اعلانات القنوات التلفزيونية اللبنانية .. أظن ان ليال كانت محقة في ملاحظتها

رب صدفة خير من ألف ميعاد

اثناء انتظاري في مطار بيروت وقبل الوصول لمنطقة الجوازات استرعي انتباهي حديث كان يدور بين رجل وامرأة عرفت من لهجتهما انهما من البحرين.  كان الرجل قلقاً لأن صلاحية جواز سفره ستنتهي بعد اربعة اشهر اذ يبدو ان احدهم قد اخبره في مطار البحرين بأن مطار بيروت قد يمنعونه من الدخول اذا لم يكن جواز سفره صالحاً علي الاقل لمدة ستة أشهر.   أخرجت جواز سفري لأتفقد تاريخ الصلاحية  فأنتقل القلق بدوره لي فصلاحيته تنتهي ايضاً في فترة مقاربة. ألتفّت للشخص لأستعلم منه عن الموضوع فبدا لي وجهه مألوفاً، لم أتعرف عليه منذ البداية ولكني كنت متيقنة من شخصية المرأة التي كان يتحدث إليها فقد كانت الكاتبة البحرينية خولة مطر. نسيت قلقي في لحظات وتحول الحديث لمنحىً آخر، أخبرتها انني سمعت عنها الكثير وسألتني عن سبب زيارتي لبيروت فقلت لها بإنني مدونة وبأنني هنا لحضور اجتماع للمدونين العرب فطلبت عنوان مدونتي حتى تقرأها لاحقاً فهي كما اخبرتني مهتمة بمتابعة المدونات البحرينية

تنفسنا جميعاً الصعداء حينما علمنا بإن الفترة المسموح بها هي مابين ثلاثة لستة أشهر حسب البلد وتم ختم جوازات سفرنا لدخول العاصمة بيروت

بحبك يالبنان ياوطني

أغلب اللبنانيين يتغنون بحبهم لوطنهم رغم ان الاحداث السياسية في لبنان لاتدعم كثيراً هذا القول ولكنني استطيع القول ان هذه القاعدة لاتنطبق على الجميع فقد التقيت بالكثير من الشخصيات اللبنانية البسيطة التي عبرت عن هذا الحب بشكل صادق ومؤثر أحدهم هو “ميشيل” صاحب محل صغير للتحف وقطع الانتيك التقيت به اثناء تجوالي انا وميس وشادن وغيداء في منطقة الحمراء مساءً .. ميشيل لم يكن يعرف من نحن ولابأنني أو غيري يمكن ان نكتب عنه في مدوناتنا. حينما علم ان غيداء من اليمن سألها عن خنجر  بيع له على انه خنجر من اليمن وبعدها انطلقنا في الحديث وانطلق هو في حديثه عن لبنان. سألني عن البحرين وعن بعض الاحداث التي يسمع عنها من خلال الاخبار واخبرته بصدق عن حياتنا دون رتوش فكثيراً من اللبنانيين يظنون ان الخليجيين نائمين على براميل من النفط والجهل.  تأثرت كثيراً بعبارته حينما قال لي: “يابنتي ادعي لوطنك في صلاتك مثل ما بتدعي لوالدينك، ادعي ربك يحفظ لك  هالبلد، الواحد منا مابيسوا شي من غير وطن”.  لاأعرف بماذا فكرت حينها .. ربما في المحرومين من اوطانهم .. من اباءهم او امهاتهم .. وكادت ان تفر دمعة من عيني

ضريح الحريري ومخاوف التقديس

رغم ان شادن كانت قد سبقتنا لزيارة ضريح الرئيس الشهيد الحريري الا انها تطوعت لأخذنا إلي هناك، ساحة الشهداء حيث يرقد الحريري ورفاقه الذين سقطوا معه في جريمة التفجير بالقرب من مسجد محمد الأمين.  حينما وصلنا كانت تقف الكثير من سيارات الشرطة على مدخل الضريح ومرت دقائق قبل ان نشهد خروج الشيخ سعد الحريري الذي يبدو انه كان يزور قبر والده.  أنتظرنا حتى خروج الموكب لنتمكن من الدخول، صور الحريري كانت في كل مكان وزهور الجاردينيا البيضاء تغطى قبره وصوت ترتيل القرآن يأخذك إلي حيث لايرغب اي منا في التفكير .. الموت .. الموت الذي لايمنحك أحياناً حتى فرصة وداع من تحب.  كنت اتوقع ان الشهيد رفيق الحريري شخصية محبوبة من قبل جميع اللبنانيين ولكنني فوجئت بردات الفعل المختلفة من قبل اللبنانيين حينما اخبرتهم عن زيارتنا للضريح ولعل أكثر ماصدمني منها هو تخوف بعض اللبنانيين من ان يصبح ضريح الحريري مزاراً كمزارات أهل البيت

البنية التحتية للبنان

لفت انتباهي ومنذ أول يوم مكثنا فيه في الفندق انقطاع الكهرباء المتكرر الذي قد يصل إلى خمس او ست مرات في اليوم الواحد ويستمر لمدة ثوان معدودة وهذا طبعاً بفضل وجود مولد كهربائي في الفندق ولكن يبدو ان الحال مختلف في مساكن اللبنانيين فالكهرباء تشكل الازمة الأكبر في حياتهم اليومية.  لفت انتباهي ايضاً ضعف شبكة الانترنت فرغم ان بعض المدونين قد دفعوا للفندق لقاء توفير خدمة الانترنت الا ان ادارة الفندق لم تستطع ان تضمن لهم توفير الخدمة التي كانت تضاهي في سرعتها سرعة السلحفاة. اما الشوارع والطرقات في بيروت فقد كانت تغرق في مياه الامطار بعد ساعات قليلة من هطول الامطار المتواصلة بحيث يصعب معها الحركة والتنقل سواء بالسيارة او حتى سيراً على الاقدام

المحطة الأولى .. تونس الخضراء

Posted on 2009 12, 17 by Suad

المدينة العتيقة

أربعة ايام فقط هي عدد الايام التي أمضيتها في تونس لحضور الاجتماع الإستشاري الإقليمي الذي نظمه البرنامج الاقليمي للأيدز في الدول العربية (هارباس) لإعداد الدليل التدريبي وخطة العمل لتعزيز حقوق النساء في مواجهة الايدز/السيدا. هي المرة الأولي التي أزور فيها تونس والتي أعتقد بأنها لن تكون الأخيرة فخلال هذه الفترة القصيرة لم يتسنى لي زيارة العديد من المعالم والمناطق السياحية التي سمعت عنها مثل مدينة المنستير والحمامات ونابل وسوسة وطبرقة وجزيرة جربة وغيرها.  كما أن هذا البلد قد اغواني بثراء جماله واصالته والذي لم أكن أعرف عنه سوى القليل وكان مرتبطاً في ذهني دائماً بمهرجان قرطاج الدولي

سأعترف في البداية أنني قبل ان أزور تونس كان لدى تصور مسبق بأنها تشبه اي بلد عربي آخر ولكن الواقع نسف كل هذه التوقعات وجعلني أعيد حساباتي بالنسبة لتصوري لدول المغرب العربي، فكل منطقة في تونس لها خصوصيتها وتفردها.  هي عدة مدن في مدينة واحدة ومزيج غريب بين الشرق والغرب فشارع الحبيب بورقيبة في العاصمة التونسية مثلًا لايختلف كثيرا عن اي شارع عصري في اي بلد أوروبي آخر حتى ان أحد المشاركين في الاجتماع شبهه بشارع الشانزلزيه في فرنسا، فإبتداء من المسرح البلدي للكاتدرائية الكاثوليكية لنصب المؤرخ الكبير ابن خلدون في ساحة الاستقلال انتهاء بالمطاعم والمقاهي التي تدب فيها الحياة منذ الساعة التاسعة صباحا حتى منتصف الليل تذكرك بعدة مدن اوروبية مشيت في شوارعها من قبل، مدن تتناغم فيها انماط مختلفة من المباني والاشكال المعمارية المختلفة.  الجامع بالقرب من الكاتدرائية، والمترو في الجانب المقابل للشارع قريبة من الارصفة حيث يعبر المارة

على بعد خطوات قليلة، تقع المدينة العتيقة بأزقتها القديمة وسوقها الشعبي الذي يشبه إلي حد كبير حي خان الخليلي في القاهرة مع اختلاف الصناعات التقليدية التي يتفرد بها كلا البلدين . وقد لفت نظري وأنا أطوف بداخل هذه الازقة الضيقة المتعرجة واجهات المباني والشرفات المطلة على الشارع، أعمدة الكهرباء القديمة ولافتات كُتب عليه اسماء الاسواق التي تمر بها .. سوق السرايرية .. سوق القوافي .. الخ حتى تصل لمقهى الزيتونة في منتصف الزقاق والذي توقفت فيه لتناول الكسكسي، اشهر أكلة تونسية يتم اعدادها في المغرب العربي بطرق مختلفة

زحام من البشر ودكاكين متراصة تحفل بشتى انواع الحرف والصناعات اليدوية التقليدية، العطور والبهارات وحتى الحلويات تتوافر في هذا السوق.  أثناء تجولي وحديثي مع بعض الباعة تعرفت على الحاج محمد الطيب صاحب محل للحلويات التونسية والذي عرفني على أشهر الحلويات التونسية كالمقروض والبقلاوة وكعك الورق وعجين اللوز.  إلي جانب الحاج محمد تعمل سلمى، فتاة تونسية في مقتبل العمر طلبت مني حينما كنت اصورها وهي تهم بإعداد الحلوى ان لاأظهر وجهها وان أكتفي بتصوير يديها وهي تفرد العجين .  الحاج محمد أخبرني عن بعض ذكرياته في البحرين حينما حضر للمشاركة في مهرجان أُقيم في حديقة الاندلس وقد ذُهلت لذاكرته القوية في تذكر اسماء بعض الشخصيات المعروفة والمناطق التي لازال يحفظها رغم مرور زمن طويل على تلك الزيارة

واصلت السير في ازقة المدينة العتيقة حتى وصلت لجامع الزيتونة والذي يسمح للزوار من جميع الديانات والطوائف بدخول الجامع وإلتقاط الصور على ان لايكون ذلك خلال اوقات الصلاة.  لا أحد يستطيع ان يؤكد سبب تسمية الجامع بهذا الاسم ولكن الروايات تُرجح انه سُمي كذلك نسبة لشجرة زيتون وجدها الفاتحون في مكان الجامع فأطلقوا على الجامع الذي بنوه هذا الاسم. في المدينة القديمة تشعر إن كل ما حولك يمتد لعصور وتاريخ ضارب في القدم .. البيوت .. الابواب .. الشرفات .. مآذن المساجد .. حكايات تود لو انك تعرف عنها وعن تاريخها المزيد

الاستعمار اللغوي الفرنسي

رغم ان اللغة العربية هي اللغة الرسمية للجمهورية التونسية الا ان اللهجة التونسية خليط من العربية والفرنسية.  هناك حالة إغتراب بين الشعب التونسي وبين لغته،  الاستعمار اللغوي الفرنسي كما اسماه الدكتور محمود الذوادي بدا مهيمناً في جميع فئات المجتمع التونسي وان كان بدرجات متفاوتة وحاضرا بقوة في جميع انواع الثقافة والفنون.  شعرت بذلك أكثر حينما حضرت مسرحية الممثل الملك لير في المسرح البلدي الذي ذكرني بفخامة تصميمه ومقصورته الرائعة بالافلام العربية القديمة ولكن تعذر على فهم معظم الحوارات التي دارت بين الممثلين لانها كانت مزيج من اللغة الفرنسية واللهجة التونسية العامية وان كنت قد فهمت فكرة المسرحية من خلال السياق العام للاحداث.  جميع اللوحات والرقصات والملابس وديكور المسرح بدت لي فرنسية صرفة اما بطل المسرحية الممثل التونسي هشام رستم فقد ذكرني بالممثل الفرنسي المغربي الاصل جين رينو من حيث الشكل والملامح

قرطاج وسيدي بوسعيد

في قرطاج يمكنك ان ترى أجمل وأرقى المدن والضواحي التونسية كقمرت والمرسى المعروفة بشاطئها الممتد وكورنيشها الذي يستقطب العديد من الفنادق والملاهي والمقاهي.  في طريقنا لفندق بارسيلو في قرطاج لحضور المؤتمر الوطني بمناسبة اليوم التونسي للايدز مررنا بالعديد من الاماكن والمعالم التاريخية  كقصر قرطاج وجامع العابدين وخزانات المياه التي بناها الرومان.  تمنيت ان ازور متحف باردو مع بقية المشاركين في الاجتماع ولكن كان على اللحاق بالطائرة للعودة للبحرين

من أجمل المناطق التي زرتها في قرطاج هي قرية سيدي بوسعيد وهي قريبة الشبه ببعض الاحياء في اسبانيا واليونان، مصيف يعج بالمنازل البيضاء التي تزينها الابواب والشرفات ذات اللون الازرق وتنتشر فيها اعداد كبيرة من المقاهي والمطاعم المطلة على البحر أشهرها القهوة العالية بمدرجاتها المطلة على السوق.  في سيدي بوسعيد أعتراني شعور غامر بالفرح فهذه أول مرة أرى فيها مصيفاً بهذه الروعة، تخليت عن حذائي رغم برودة الطقس ومشيت حافية القدمين بين البيوت المعلقة عند هضبة صغيرة حتى وصلت لأعلى الربوة التي تطل على خليج تونس حيث ترسو اعداد هائلة من اليخوت والمراكب

تونس .. حقوق المرأة تزدهر وحرية الرأي تتراجع

الشعب التونسي شعب مضياف جداً ويستقبلك بحفاوة وبإبتسامة لاتغيب عنها كلمات مثل برشة .. مرحبا بيك .. يعيشك والتي يتداولها التونسيون بكثرة، والمرأة التونسية تحظى بالكثير من الحقوق والمكتسبات التي لاتحظى بها اي امرأة عربية أخرى على مستوى الوطن العربي والتي تهدف إلى إزالة كل اشكال التمييز ضد المرأة

المعلومة التي أذهلتني بالفعل ولم أكن اعرفها من قبل عن تونس انها تحظر تعدد الزوجات منذ عام ١٩٥٧ بموجب قانون الاحوال الشخصية او ما يطلق عليه التونسيون مجلة الاحوال الشخصية ولكن المفارقة في الوقت ذاته ان تونس أحتلت المرتبة الأولي عربياً والرابعة عالمياً في نسبة الطلاق وذلك طبقاً لدراسة أجريت حديثاً ورفضتها وزارة العدل التونسية

هناك جدل  يدور الآن في تونس حول دعوة لإعادة إجازة تعدد الزوجات كحل إسلامي للمشاكل الاجتماعية مثل العلاقات خارج نطاق الزواجه والعنوسة الا ان بعض النساء يرفضنها خوفاً من تراجع مكتسباتهن الاجتماعية كما ان بعضهن استشهد بازدياد حالات الطلاق في منطقة الخليج العربي كدليل على عدم جدوى إجازة تعدد الزوجات كحل للمشكلات الاجتماعية التي أنتشرت حديثاً في تونس

كان هذا الجانب المضئ من حقوق الانسان في تونس اما الجانب المظلم فقد تعرفت عليه خلال حضوري للملتقى الثاني للمدونين العرب في بيروت اذ تطرق بعض المدونون لقضية تعثر حرية الرأي والتعبير والصحافة في  تونس ومواجهتها لعراقيل عدة ابرزها التدخل الحكومي وتعرض بعض نشطاء حقوق الانسان والمدونين والصحفيين للاعتقال او الملاحقة الأمنية بين الحين والآخر بسبب الاعلان عن آرائهم او ادلاءهم بتصريحات او معلومات لوسائل الإعلام المختلفة

لماذا؟

أنتهت رحلتي القصيرة لتونس ولكن الاسئلة التي ظلت تراودني هي: لماذا لم أكن أعرف أو اسمع عن تونس كما أعرف مصر وسوريا ولبنان؟  لماذا تعيش معظم دول شمال افريقيا بمعزل عن العالم العربي؟ لماذا تبدو المسافة بيننا وبينهم كبيرة وشاسعة كما لو أنهم ليسوا جزءاً من وطننا العربي الكبير؟

ما أحلى الرجوع اليه

Posted on 2008 07, 29 by Suad

 تذكرت هذا الشطر من قصيدة نزار قباني وأنا أحزم امتعتي استعدادا للعودة الى أرض الوطن. فرغم الرسائل النصية التي كانت تصلني من الاقارب والاصدقاء لتذكرني بحرارة الطقس في البحرين وتحثني على البقاء لفترة أطول في بريطانيا، الا ان هناك من المشاعر والتفاصيل الصغيرة التي يصعب شرحها ماجعلني أتوق الى العودة.

أسبوعان قضيتهما بين ويلز ولندن لم يفسد متعتهما سوى أمران حمدت الله كثيرا انهما لم يحدثا لي سوى في الايام الأخيرة من الرحلة أولهما سرقة بعض امتعتي الشخصية من غرفتي بالفندق والثاني هو عودتي بأعراض مرض يهاجمني بين الحين والآخر لم أجد له علاجا حتى الآن، يحدث ذلك وبمحض الصدفة بعد كل زيارة لي لبريطانيا فأمكث اسبوعين هناك ثم أمكث مثلهما في المستشفى بعد عودتي.

ولكنى قررت ان لا أجعل اي من الامرين يطغيان على فرحتى بالتخرج وعلى الذكريات الجميلة التي عدت بها من الرحلة.  وحتى أنفس عن شعوري بالاستياء أرسلت رسالة الكترونية يوم أمس للموقع الذي حجزت من خلاله الفندق والذي تم ترشيحه لي من قبلهم أبلغهم فيه بحادثة السرقة وبرد فعل المدير المسئول الذي أكتفى بالقول بأن نظام الأمن لديهم صارم جدا!

ولأنني كتمت مشاعر الغضب حينها وانا استمع لهذا الرد الذي لا يغني ولا يسمن من جوع فقد قررت ان أنتقم لصمتي بعبارة أخيرة ذيلت بها رسالتي أقترحت فيها حذف الفندق من قائمة الموقع والا تغيير أسمه من طريق الملوك إلى طريق اللصوص حتى يدرك النزيل ما هو مقبل عليه.  ويبدو ان رسالتي قد تم تحويلها إلى ادارة الفندق فأستلمت في اليوم ذاته رسالة اعتذار من مدير عام الفندق وعد فيها بالتحقيق في الموضوع وإعلامي بالاجراء الذي سيتخذه الفندق خلال 48 ساعة وها انا أنتظر. 

اللى يعيش ياما يشوف

حشود بشرية من جنسيات مختلفة تسير على عجل .. متشرد يتسول المارة .. عازف هاو في ميدان يعج بالسواح .. شاب يصغي باهتمام الى قارئ الطالع .. حملة ضد مستحضر للتجميل يجرى اختباراته على الفئران .. عجوز تدفع عربة قريبتها العجوز او ربما خريف يدفع بخريف آخر.

وتيرة الحياة في العاصمة البريطانية هي ذاتها لم تتغير ..توتر، تلوث، ازدحام وضوضاء. كل شئ يسير على عجل الا النهار فالشمس لا تدرك المغيب قبل العاشرة مساء  .. غيوم قلما تمطر وطقس متقلب لايمكن الوثوق به.  الفارق الوحيد ان كل شئ أصبح جنونيا أكثر من السابق .. الاسعار .. الازدحام وعصبية سائقي سيارة الأجرة والنقل العام في لندن.

لا أحبذ التواجد في لندن خلال اشهر الصيف خصوصا في يوليو واغسطس حيث يغص شارع اكسفورد وادجوارد وميدان ليستر سكوير بالسياح العرب والخليجيين بشكل خاص بطريقة تشعرك بأنك قد انتقلت من بلدك الى بلد عربي آخر الا ان حفل التخرج هذه المرة لم يترك لي خيار آخر كما ان السفر الى بريطانيا دون عبور بوابتها الرئيسية (العاصمة) فيه تفويت للكثير خاصة حينما يتعلق الأمر بالفعاليات الثقافية والفنية وحتى التسوق الذي يدمنه النساء والرجال على حد السواء. 

تسنى لي هذه المرة حضور بعض الافلام والعروض المسرحية مثل شبح الاوبرا وماما ميا الذي كان يعرض للتو بالتزامن مع عرض الفيلم الذي تصّدر ايرادات دور العرض البريطانية والذي تلعب فيه الموسيقى دورا محوريا بالاستناد الى اغاني فرقة الآبا التي حققت شهرة واسعة في فترة السبعينات.

اما المعرض الوطني البريطاني فقد كان يعج بعشرات اللوحات الرائعة لمشاهير الفنانين الايطاليين في معرض .Radical Light  الا ان أكثر لوحة لفتت انتباهي في هذا المعرض هي لوحة An Allegory of Prudence لتيتيان، أشهر الرسامين الايطاليين في القرن السادس عشر والتي تمثل الثلاث مراحل الرئيسية في عمر الانسان في ثلاثة وجوه أحدها هو وجه تيتيان الحقيقي.

ما يميز العاصمة البريطانية هي التعددية الاجتماعية والثقافية بشكل خاص، احياء ومعارض ومطاعم صينية .. هندية عربية أو افريقية.  ومن أطرف المواقف التي مرت بي هو توقفي في محل للحلويات اليابانية شدني اليه لون واسلوب عرض حلوى تشبه فاكهة الدراق سألت عنه البائعة فأخبرتني انه جيلاتين بنكهة الدراق.  كانت الطاولة تضم طالبتين من دولة الكويت الشقيقة وامرأة اوروبية بصحبة ابنها وحينما وصل طلبي فوجئت بصلابة السطح الخارجي للحلوى والتي كنت اظن بأنه نوع من حلوى المرزبان الا ان السيدة الى جانبي لفتت انتباهي الى انني كنت احاول كسر الوعاء وبأنه يجب ان أقلب وعاء الجيلاتين رأس على عقب. حينها لم اتمالك نفسي من الضحك بينما علقت الزميلة الكويتية على قالب الحلوى الغريب قائلة “صحيح اللى يعيش ياما يشوف”.  شكرت السيدة على الملاحظة فلولاها لاستمررت في محاولاتي لكسر الوعاء حتى اليوم التالي!

 طريق الغابة

كنت أعتزم مغادرة ويلز بعد الانتهاء مباشرة من حفل التخرج الا ان جمال المناطق السياحية التي تستحق الزيارة مثل ميناء كاردف، برستول، جزيرة باري وغيرها جعلني اتراجع عن خطتي الأولى واتقدم بطلب جديد لتمديد فترة اقامتي في سكن الجامعة.

الاقامة في سكن جامعة جلامورجن ليس سيئا على الاطلاق فرغم صغر الغرف وصعود ونزول سلالم يقارب عدد درجاتها المائة وخمسين الا ان موقع الجامعة في منطقة جبلية .. تقافز الارانب والسناجب التي تظهر وتختفي بين الحين والحين .. صوت حفيف الاشجار وخرير الماء والمساحات الشاسعة الخضراء التي تغطي المنطقة المحيطة بمباني الجامعة ألهتني معظم الاحيان عن عد درجات السلالم .. عادة درج عليها معظم طلبة الجامعة وابدى كثيرا منهم تبرمهم منها.  البعض منهم كان يسلك طريق أقصر أشتهر بأسم طريق الغابة حذرنا البعض منه بسبب وجود الثعابين.

اما عن حفل التخرج فقد كان الحدث الأهم بالنسبة لي الا انه اثار استغرابي مراسم الحفل التي كانت اقرب الى مراسم الكنائس.  سعادتي كانت كبيرة لحضور بنت بطوطة لحفل تخرجي وتكبدها عناء السفر بالقطار من مكان اقامتها لمقر الجامعة لتشاركني فرحة هذا اليوم، وربما اليوم أكثر من اي وقت مضى أدرك كم أكتسبت من خلال التدوين اصدقاء جدد أدين لهم بالشئ الكثير.

معظم سكان ويلز يتمتعون بالطيبة ودماثة الخلق، كبار السن منهم بالاخص.  هناك فارق كبير بين الحياة في ويلز وبين الحياة في لندن، بين الناس هنا وبين الناس هناك ولكني استمتعت بإقامتي في المدينتين. 

حكايات من القاهرة – 2

Posted on 2008 05, 10 by Suad

في عيد ميلاد الرئيس المصري .. اهازيج ورقص ومظاهرات

وصلنا إلى القاهرة في اليوم الذي يسبق موعد ورشة العمل والذي يتزامن مع احتفال الرئيس المصري بعيد ميلاده الثمانين.  كنا متعبين بعض الشئ من الرحلة فقررنا انا وزميلي حسين ان نخرج لتفقد ميدان الرماية والمنطقة المحيطة بالفندق سيرا على الاقدام.  في المساء كان هناك إحتفال صغير نظمه بعض الاهالي وسط الميدان الذي كانت تزينه بعض اللافتات المهنئة بعيد ميلاد الرئيس، لحظات من الغناء والرقص وعزف المزامير والاهازيج كان يسجلها البعض بهواتفهم النقالة.  أمضينا ليلة جميلة بصحبة الاهالي والاغاني المصرية الشعبية قبل ان نعود للفندق لنخلد للنوم استعدادا لأول يوم في ورشة العمل.

 

في اليوم الذي يليه تحدث بعض المدونين المصريين الذين حضروا الورشة عن رفع الرواتب في مصر بنسبة 30% وتزامنه مع ارتفاع سعر البنزين بنسبة 35% .  كان هناك حالة استياء عامة بين المصريين للغلاء وارتفاع اسعار السلع الاستهلاكية شاهدنا بعض مظاهره اثناء تواجدنا يوم الخميس الماضي بالقرب من نقابة الصحفيين المصريين التي نظمت مظاهرة أمام مقر النقابة ورفعت لافتات منددة بموجة الغلاء التي تشهدها مصر والارتفاع الجنوني في الأسعار.

 

ولست اعلم إن كان هذا هو السبب في تواجد سيارات محملة بالضباط وقوات مكافحة الشغب لا يفصل عن بعضها البعض سوى امتار قليلة.  هذه السيارات كانت تتواجد على مدار الساعة في وضع متأهب بالقرب من الميادين العامة والمواقع الحيوية. كما كان هناك تشدد بشكل عام في الاجراءات الامنية من قبل الفنادق الكبيرة ذات الخمسة نجوم حتى ان بعضها أستخدم الكلاب البوليسية المدربة للتفتيش الأمني لمرتادي هذه الفنادق.

 

هوس الهواتف النقالة يجتاح القاهرة

أكثر ما لفت نظري منذ وصولي للقاهرة هو اكتساح الهواتف الخليوية لحياة المواطن المصري اليومية وإعلانات شركات الهواتف التي تطاردك في السيارة والتلفزيون ولافتات الشوارع وحتى جدران وأسطح بعض البنايات.  وبنظرة متفحصة للمارة في شوارع القاهرة تجد ان الجميع يحملون الهواتف النقالة ويديرون ظهورهم لبعضهم الآخر اثناء انشغالهم بمكالمات الهاتف الخليوي.  هوس الهواتف النقالة لم يقتصر على مصر فقط فطبقا لدراسة أعدها مركز البحوث التجارية والاقتصادية بجامعة القاهرة تعد الدول العربية من أكثر دول العالم ارتفاعاً في معدلات نمو الهاتف المحمول اذ ان استخدام الهواتف النقالة أصبح يلتهم 40% من دخل الكثير من الأسر العربية خاصة في مصر ودول مجلس التعاون الخليجي.

 

في خان الخليلي .. خليت لي ايه ما تقول يا زمان؟

 

أجمل ما في حارة خان الخليلي هو متاجر الفوانيس الملونة وقهوة الفيشاوي التي تمتلأ عن آخرها منذ الظهيرة بالسواح الاوروبيين، الشاي الكشري والسحلب واغاني سيد درويش وسيد مكاوي وام كلثوم وعبدالغني السيد وهو يشدو ماتقول يازمان والذي أستمعت لأغنياته لأول مرة في هذه الزيارة في أحد متاجر خان الخليلي.

 

بالقرب من قهوة الفيشاوي يقع محل ابو حمزة الشهير بتسجيلاته القديمة من الاغاني المصرية التي يعود بعضها للأربعينيات والخمسينيات. وفي زاوية مجاورة يجلس كل يوم العم ابراهيم الذي يعرفه معظم العاملين في خان الخليلي على مقعده الاسود جلسة القرفصاء يدخن في صمت بينما يراقب حركة المارة.  طلبت منه ان أصوره فهز رأسه موافقا دون ان ينبس بكلمة، لاحظت حينما كنت أهم بتصويره أنه لم يكن يبالي أو يكترث كثيرا بالنظر إلى عدسة الكاميرا فقد شرد ببصره وتفكيره الى البعيد فتساءلت بيني وبين نفسي: ترى إلى اين أخذتك الافكار يا عم إبراهيم؟؟

 

شدتني الكثير من المشاهد والمواقف الانسانية التي تعكس طيبة وبساطة الشعب المصري رغم صعوبة العيش والغلاء.  أطفال وكهول يعملون ليل نهار لإعانة عائلاتهم على لقمة العيش وفي مهن قد لا تتناسب أحيانا مع أعمارهم.

 

ألتقيت ببعضهم اثناء تجوالي في حارة خانة الخليلي، كان أحدهم ذلك الكهل الذي يعزف على آلة الفلوت الخشبية بينما يتأبط كيس كبير من القماش ملئ بالفلوت الخشبي يبيعه بسعر زهيد للسياح. دسست بعض الجنيهات خلسة في جيب ثوبه الامامي الا انه رمقني بنظرة غضب واستياء وأصر على ان آخذ منه شيئا مقابل النقود التي منحتها اياه فأضطررت الى شراء الفلوت الخشبي وحملته معي كتذكار من الرحلة.

 

اما الطفلتان سلمى وشادية فقد كانتا تعرضان مناديل الرأس المزركشة التي تتدلى منها حبات الخرز اللامعة بمهارة تنافس أمهر الباعة المتجولين. كانت سلمى تحاول اقناع حسين بشراء أكبر عدد من مناديل الرأس التي لم يكن بحاجة اليها، تارة بمحاولة معرفة عدد بناته عن طريقي وتارة أخرى بالتلويح باعطاء (دسكاونت).  وحينما فشلت في إقناعه بشتى الطرق طبعت قبله سريعة على خده يبدو انها أيقظت في حسين الحس الأبوي فرفع الراية البيضاء وخضع لجميع مطالبها باستسلام تام. 

 

في حين استرسلت شادية في الحديث  بحسرة عن صعوبة البيع وعن المناديل التي فقدتها اثناء نومها على كرسي في خان الخليلي.  سألتها عن أسم شقيقاتها فأخبرتني ان لها شقيقة واحدة تدعى شادية، قلت لها كيف يكون ذلك، انتِ وشقيقتك تحملان الاسم ذاته؟ فابتسمت وهي تقول: “هي شادية الحقيقية بس انا اسم الدلع شادية!” فقلت: طيب وأنتِ اسمك الحقيقي ايه؟ فردت بشقاوة وذكاء: “شوشو”!

 

تحديث: بينما كنت أبحث في اليوتيوب وجدت هذا الفيلم التسجيلي للمخرجة نيفين شلبي، حكاية أخرى من حكايات القاهرة ولكنها مختلفة ومؤثرة جدا.

حكايات من القاهرة – 1

Posted on 2008 05, 10 by Suad

يقول المصريون (اللي يشرب من مية النيل لازم يرجع لها تاني)، وهكذا وبعد مرور أكثر من عشرة أعوام وجدت نفسي مجددا وبترتيب غريب من القدر أتوه في زحام القاهرة وأغرق في تفاصيلها الصغيرة المفعمة بالحياة.  في القاهرة تستطيع ان تعرف حكايات المارة من عيونهم .. من ما تحمله أكتافهم، وان تستشف همومهم من التجاعيد الغائرة التي تركها الزمن على وجه عم أبراهيم والحزن الذي يكسو أجفان نساء وأطفال يسكنون الشوارع ويسكنهم قلق لقمة العيش.

 

في هذه المدينة العتيدة وبين أزقة خان الخليلي وشارع طلعت حرب قضيت معظم الوقت أتجول بحثا عن قصص لا تشبهني، وفي مكتبة عرابي وجدت تاريخ وحكايات شوارع القاهرة مسطورا في صفحات كتاب أسمه القاهرة شوارع وحكايات للمؤلف حمدي أبو جليل والذي يؤرخ بشكل رائع من خلال قصص اسماء شوارع القاهرة المراحل التاريخية الأولى للقاهرة الفاطمية والخديوية ومصر القديمة. الآف من الكتب المتنوعة في الادب والسياسة وعلم الاجتماع، وعناوين قد لا تجدها في مكتبات ودور النشر الأخرى كمكتبة دار الشروق أو مكتبة مدبولي التي تحفل بآخر وأحدث الاصدارات من المؤلفات العربية والاجنبية وترجمات الادب العالمي.  وعلى الرغم من غزو فيرجن ميغاستور للقاهرة والذي يتربع حاليا على قمة محلات الموسيقى والكتب في جميع انحاء العالم الا ان هذه المكتبات لا زالت تتفرد بنوعية كتبها ومرتاديها.

 

تاكسي .. حواديت المشاوير

 

والعنوان اعلاه عنوان كتاب آخر للإعلامي خالد الخميسى الذي صدر منه حتى الآن الطبعة العاشرة والذي وصفه الدكتور جلال أمين بحالة المجتمع المصري اليوم كما تراها شريحة اجتماعية مهمة وذكية هي سائقو التاكسيات في مصر ورصد دقيق لأحوال المجتمع وللرأي العام المصري.  أستمتعت كثيرا بقراءة هذا الكتاب اثناء اقامتي في القاهرة والذي كنت أختتم به يومي كل مساء بعد جولات حافلة لكل ما تزخر به مدينة القاهرة من معالم واماكن تاريخية لا يمل السائح ولا المقيم منها حتى وان زارها عشرات المرات.

 

لست أدرى إن كان الكاتب الخميسي بصدد أضافة كتاب جديد لكتابه هذا ليكون ذلك امتداد لسلسة من حواديت وقصص التاكسي ولن أندهش ان فعل ذلك فقصص التاكسي والتركيبات المتباينة والمذهلة لسواق التاكسي في مصر تجعل من مشاوير التاكسي تجربة تستمتع بتكرارها كل مرة بينما تترقب في شغف الحكايات التي ستكون بإنتظارك مع سائق جديد وزاوية جديدة من هذا العالم الكبير الذي يشبه صندوق الدنيا في كل مرة تطأ فيها قدماك سيارة أجرة.

 

أول رحلة لي مع قصص التاكسي كانت بصحبة زميلي في الرحلة وورشة العمل حسين المحروس وحسين لمن لا يعرفه كاتب بحريني متميز ومصور فوتوغرافي رائع أستفدت كثيرا من تجاربه وخبراته في التصوير وتمكنت بفضله من التقاط العديد من الصور الجميلة وبزوايا مختلفة لم أكن أعرف عنها شيئا من قبل نظرا لخبرتي المتواضعة بفن التصوير الفوتوغرافي.  وفي كل مرة كنا نخرج فيها معا لاستكشاف القاهرة كنا نعود الى الفندق محملين بالصور وبالعديد من القصص الانسانية والذكريات الطريفة.

 

في أول مشوار لنا مع سائقي التاكسي كان سائق من صعيد مصر أقلنا من المطار الى فندق سوفتيل القاهرة في الهرم.  شكا السائق وبأسهاب من هيمنة المرأة ونفوذها في المجتمع المصري وقانون الاحوال الشخصية الذي يقف على حد قوله الى جانب المرأة أكثر من الرجل وبأن الرجل المصري فقد هيبته وسلطته بعد ان كان الربان الذي يقود ويترأس القرارات في أسرته.  السائق الناقم على المرأة عانى من تجربة فاشلة مع زوجته الأولى أفضت الى الانفصال ونزاعات وصلت إلى أروقة المحاكم وأنتهت بحكم ألزمه بدفع نفقة شهرية يعتبرها مرتفعة لطليقته واولاده منها.  حاولت عبثا ان افهمه بأن المرأة انسان مثلها مثل الرجل ولها من الحقوق ما هضمته المجتمعات العربية لردح طويل من الزمن وبأنه قد آن الاوان ان نحمى الأسر العربية من كل ما يلحق بها من امراض نفسية وانقسامات وتشرد للابناء أثناء وبعد حالات الطلاق فقال لي بلهجة صارمة أنهي بها الحوار: “خلاص .. مش عاوز أتكلم في الموضوع .. أنا من الصعيد ويكفي أن تعرفي ذلك!”.

 

 

عنصر مفاجئ

 

على النقيض تماما وفي الايام الأخيرة من الرحلة أستوقفنا سائق تاكسي آخر .. هذه المرة لم يكن التاكسي الابيض والاسود وهو التاكسي السائد في مصر والذي تحتسب فيه الأجرة بشكل تقديرى وبالتفاوض مع السائق بل التاكسي ذو اللون الاصفر أو كما يطلق عليه تاكسي العاصمة.  معظم موديلات سيارات التاكسي الصفراء حديثة وفي حالة جيدة والاهم انها مكيفة وهذا أهم ما تفتقر اليه سيارات التاكسي العادية كما انها تعمل بالعداد لذلك فأن تكلفتها أرخص نسبيا للمسافات الطويلة مقارنة بالتاكسي الآخر الذي أكتشفنا فيما بعد اننا كنا ندفع له اضعاف الاجرة التي يستحقها. وبما ان الفندق الذي كنا نقيم فيه كان يبعد كثيرا عن وسط البلد فقد كان هذا النوع من سيارات الأجرة هو النوع الأمثل لتنقلاتنا اليومية الا انه كان يندر ان نجد واحدا في شوارع القاهرة فهناك ارقام خاصة للاتصال بتاكسي العاصمة كما ان وصول السائق قد يستغرق بعض الوقت في أوقات الذروة والازدحام.

 

المهم ان سائق التاكسي هذه المرة كان يتمتع بقدر كبير من الفكاهة وروح النكتة جعلنا ننفجر ضاحكين طيلة المشوار من وسط البلد الي فندق السوفتيل.  ويبدو ان الغلاء والمرأة هما الشغل الشاغل لسائقي التاكسي في مصر هذه الايام فما ان تحرك سائق التاكسي أمتار قليلة حتى بدأ يسرد علينا قصص ومفارقات زيجاته الثلاث.  السائق الشاب الذي أطلق على نفسه أسم “أبو رحمة” لم يكن رحيما على الاطلاق خصوصا مع النساء فبعد فترة بسيطة من زواجه الأول بفتاة من بلده طلقها لأنه على حد قوله كان زواج تقليدي وفي سن صغيرة وبأن العروس لم تحسن التعامل معه أضافة الى ضعف ثقتها بنفسها وخجلها المفرط الذي أنقلب الى عنف بعد فترة قليلة من الزواج فكانت ترد له الصاع بصاعين متبعة مبدأ العين بالعين، فالاشياء التي كانت تتطاير اثناء المشاحنات بين الزوجين من قطع الاثاث المنزلي وغيرها كانت متكافئة من الجهتين لذلك شعر أبو رحمة بشئ من الضجر ازاء ردود الافعال المتوقعة على حد قوله فطلقها.

 

ثم تزوج بعدها من امرأة عربية كانت تقيم في القاهرة “لاسباب ديبلوماسية” و”تحسين العلاقات الثنائية بين البلدين” على حد قوله فسألناه عن اي نوع من العلاقات الديبلوماسية يتحدث فقال ان زيجته كانت من قبيل الشهامة فإقامة المرأة في مصر كانت ستنتهي بعد شهر ولكي تتمكن من تمديد اقامتها لعام آخر كانت تحتاج ان تتزوج من فرقة انقاذ مثل ابو رحمة.

 

وما جعلنا ننفجر فعلا من الضحك هو الاسم أو المصطلح الذي أطلقه ابو رحمة على الزوجة الجديدة وهو “عنصر مفاجئ”، فجميع الستات في نظر ابو رحمة عنصر مفاجئ وزوجته الجديدة كانت من هذا النوع وهو مصدر اعجابه بها اذ لم يكن يدرك ماذا ينتظره بعد كل “خناقة زوجية”.  أحيانا كانت الزوجه تتركه وتمضي لحال سبيلها واحيانا أخرى كانت تباغته بتصرف غير متوقع ومع ذلك فأن العنصر المفاجئ لم يدم طويلا فالزواج الذي بدأ بمصلحة خفت بريقه بعد فترة ليتزوج ابو رحمة من جديد من امرأة من بلد عربي آخر.

 

أثناء المشوار كان هاتف ابو رحمة لا ينقطع عن الرنين فزبائنه الذين يبحثون عن جلسات المساج في فنادق الخمس نجوم كُثر وابو رحمة نصّب من نفسه مرشدا سياحيا لمن يرغب.   ولست أدرى لماذا أفترض انني وزميلي حسين زوجين فبدأ في مشاكستي كي أطلق سراح (الزوج المغلوب على أمره) وان (لا اقصقص ريشه) كما تفعل معظم الزوجات (المفتريات). أعجبتنا اللعبة فسايرناه حتى النهاية.  طرح اسم بلد عربي شقيق توقع اننا منه فأومأنا بالايجاب ثم سأل من اي منطقة من …. نحن؟ فحضرني أسم مدينة أعرفها من ذلك البلد فقلته له فأجاب بتنهيدة طويلة ”ياااااااااااه .. ده أنتي زكرتيني باللذي مضي” سألناه ان كان قد زار هذه المنطقة من قبل فأجاب بالنفي لننفجر مجددا من الضحك.

 

وصلنا إلى مدخل الفندق ويبدو ان الحيلة قد انطلت على ابو رحمة كما ظن هو بأن حكاياته عن العلاقات الديبلوماسية والشهامة قد أنطلت علينا.  وقبل ان نودعه طلب ابو رحمة “الكرت” من زميلي حسين فاعطاه اياه.  اثناء سيرنا الى الفندق كنا نتسائل عن ردة فعل ابو رحمة بعد ان يقرأ ما هو مسجل على البطاقة من بيانات حسين الشخصية، أسم البلد والوظيفة واشياء أخرى قد تغير من نظرته للأبد بأن نظرية العنصر المفاجئ لا تقتصر على النساء فقط!