Archive for the ‘Featured’ Category

الدكتاتورية في المستقبل

Posted on 2014 06, 15 by Suad

مثلما أظن ان البعض قد لايأخذ نظرية البيوسنترزيم للدكتور روبرت لانزا على محمل الجد، أتصور ان البعض لم يؤمن كثيراً بتنبؤات جورج أرويل للعالم حينما طرح روايته “١٩٨٤” في نهاية الاربعينيات. بل أتخيل ان بعضهم أتهمه حينها بالخيال المفرط في التشاؤم

قرأت رواية أرويل عدة مرات وفي كل مرة كنت اسأل نفسي السؤال ذاته: ماذا كان سيكتب جورج آرويل في الجزء الثاني من ١٩٨٤ لو أنه مازال على قيد الحياة وماذا سيكون عنوان روايته الجديدة؟

Share

من المنامة لبيروت .. التاريخ يعيد نفسه

Posted on 2012 03, 01 by Suad

 لم أكتب يوماً بإيعاز من أحد ففعل الكتابة عندي مرتبط بالرغبة في إفراغ ذهني من فكرة تظل تروح وتجئ ، فأما ان استسلم لإلحاحها بالكتابة وأما ان أظل اؤجل واؤجل حتى تفقد بريقها  أمام أفكار جديدة أخرى أوأنني أرغم على صرف النظر عنها بسبب عامل الوقت.  في جميع الاحوال، مالم تتمكن مني جملة أو فكرة تجعلني ألتصق بمفاتيح جهاز الكمبيوتر كما يحدث الآن فلا شئ يمكنه ان يثنيني عن التوقف عن الكتابة

 مضى أكثر من عام علي توقفي ولم يكن السبب نضوب الافكار بل الازمة السياسية التي أتت علي الاخضر واليابس وأعني هنا بالأخضر واليابس كل شئ خارج سياق السياسة وكان أمامي خياران أحلاهما مر، فإما ان أغلق عيناي وأصم أذناي فأكون خارج السياق واما ان أتوقف.  لم استطع ان أخضع مدونتي لعملية انسلاخ جذرية عن هويتها الثقافية التي أحب ولكني كنت مقتنعة تماماً من ان الفكر الذي لايستجيب لمقتضيات الحياة لابد له ان ينكفئ على نفسه فأخترت ان انسحب

 حينما تلقيت دعوة من رابطة القلم الدنماركية للمشاركة مع مدونات أخريات من العالم العربي والدنمارك في مهرجان الفنون الحضرية الدنماركية – العربية المنعقد في بيروت شعرت بشئ من القلق فمشاركتى محددة الاطار سلفاً وأنا لم أعتد تحويل فعل الكتابة لفرض مدرسي ولم أختبر من قبل كتابة المقالات التي تشبه في طريقة تحضيرها الوجبات السريعة.  ثم أنني لم أكن علي ثقة ايضاً من انني قد استرددت عافيتي التدوينية بعد مدة التوقف الطويلة.  أعترف بأنني وفي كل مرة أعود فيها للكتابة بعد فترة توقف تعتريني حالة من الخواء الفكري ومن انعدام الثقة بالنفس الامر الذي يجعلني أعيد كتابة الجملة الواحدة عدة مرات.  لست من ذلك النوع المهووس بالمفردات اللغوية أو الكتابة المنمقة ولكني أحتاج لأجواء هادئة تشبه أجواء غرفتي التي أنزوي فيها لساعات حينما أشرع في كتابة تدوينة جديدة.  أحتاج أن أكتب ببساطة دون ان افكر في مراعاة القواعد الكلاسيكية للكتابة او أن اتوقف عند معايير مثل ما يهم او ما لايهم القارئ من تفاصيل أو يعتبره البعض مغرقاً في الذات او الخصوصية.  قد ابحث عن أغنية او مقطوعة موسيقية تشبه مزاجي في تلك اللحظة، قد أكتب على وقع نغماتها وقد تقود مسار النص وتتحكم في اجوائه

 حينما غادرت البحرين لبيروت ظننت أنني أمام فرصة سانحة للهرب من الاجواء السياسية الخانقة ولكننى أكتشفت أنني هربت منها اليها.  زرت بيروت ثلاث مرات من قبل ولكني في كل مرة من تلك المرات كنت اراها بعين السائح ولكن نظرتي لبيروت أختلفت كثيراً هذه المرة وربما كان للمادة التي طُلب منا الكتابة حولها “مدينة بيروت” للمشاركة في المهرجان دوراً في جعلي أتمعن أكثر في تفاصيل بيروت وربما أوجه الشبه والمقارنة بين البحرين ولبنان والتي تنبهت لها منذ وطأت قدماي ارض المطار

 لم يخدعني وجه بيروت المصطنع كما قد يخدع هدوء البحرين هذه الايام زوارها الذين يرون كل شئ طبيعياً من الخارج، لا إزدحام شوارعها ولاصخب مساءاتها التي توحي للزائر بأن كل شئ يسير على مايرام.  لم تقنعني الكليشيهات التي سمعتها مرارا من قبل بأن الشعب اللبناني المطحون غير مكترث ولازال يجيد الاستمتاع بوقته وحياته رغم أن بيروت على عكس المنامة تحفل بالعديد من المواقع السياحية وتضج بالاماكن الترفيهية والانشطة الكثيرة التي يمكن ممارستها للخروج من دائرة الاحباط والضجر

 يقال بأن التاريخ يعيد نفسه وبحسب ماركس فأن التاريخ يعيد نفسه مرتين، في المرة الاولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة ولكن تاريخ لبنان أعاد نفسه عشرات المرات حتى “بلشت تلعي نفسه” على حد تعبير زياد الرحباني.  ويبدو ان التاريخ البحريني ايضاً قد تجاوز مرحلة “المهزلة” وفي طريقه لمرحلة “لعي النفس”.  العودة للمربع الأول أكثر من مرة لابد له ان يستثير مشاعر اليأس لذلك لم أستطع الا ان ألتفّت لقصص جدران وشرفات البيوت التي يختبئ بعضها خلف ستائر رمادية طويلة مقلمة وكأن لون رماد الحرب والتلوث ليس قبيحاً بما يكفي

 انا حساسة تجاه المدن والناس التي تعيش فيها ومن الصعب ان انسجم مع مدينة مالم أستطع ان اشعر بالتآلف معها وقد شعرت كما كل مرة أزور فيها لبنان بالوحدة والعزلة.  والشعور بالكآبة هذه المرة ازدادت جرعته لسببين: الاول عدم حضور عدد كبير من المدونات اللاتي كنت قد التقيت بهن سابقاً في عمّان وكوبنهاجن فقد أفتقدت دفء أغنيات “ميرون” أقصد أمل وخفة دم فاطمة وصحبة أميرة والنقاشات مع هيلين .. أفتقدت المغامرات التي جمعتني بهناء وافتقدت حماس أفراح التي أنتهت بها زيارة كوبنهاجن الأخيرة للجوء السياسي والعيش في السويد بعد ان تعرضت لتهديدات وملاحقات النظام اليمني. والحديث عن الصديقة أفراح يجرني للحديث عن التجربة المريرة التي عاشتها في مطار بيروت ومنعتها من الانضمام الينا مما جعلنا جميعاً نشعر بالغضب والازدراء حيال انظمتنا العربية الرثة التي تتحكم كل يوم في حرياتنا ومصائرنا. فبعد ان مُنع أثنا عشر مدوناً فلسطينياً من الضفة الغربية وقطاع غزة وفلسطين ١٩٤٨ من دخول تونس العام الماضي لحضور مؤتمر المدونين الثالث الذي تعقده مؤسسة “جلوبال فويسس” وبعد حادثة مماثلة أخرى مُنع خلالها الكاتب والناقد البحريني على الديري من دخول الاراضي المصرية لتوقيع كتابه الجديد “خارج الطائفة”، قامت السلطات في مطار بيروت بترحيل المدونة أفراح للعاصمة ستوكهولم بعد ان كانت سفارة بيروت هناك قد أكدت لها انها ستحصل علي التأشيرة لدى وصولها لمطار بيروت

 لم يمنع الامن اللبناني المدونة أفراح فقط من دخول لبنان لحضور المهرجان والالتقاء بشقيقتها التي كانت قد حضرت خصيصاً من المانيا لرؤية افراح، بل عاملها اسوء مما يتعامل مع من أرتكب جرماً فأحتجزها طوال الليل في غرفة صغيرة مغلقة لاتتوفر فيها اية مرافق صحية حتى موعد رحلتها صباح اليوم التالي. ولم تكن أفراح المدونة الوحيدة التي مُنعت من دخول لبنان فالمدونة الفلسطينية رشا حلوة لم تتمكن ايضاً من المشاركة لرفض الحكومة اللبنانية دخول فلسطينيو ١٩٤٨ للبنان بسبب حملهم جوازات سفر اسرائيلية والتي تنظر لها على أنه شكل من أشكال التطبيع مع اسرائيل!  هل ترون مثلي مايثير السخرية في سماجة حجج التطبيع التي لم تعد تنطبق الا على المواطن العربي؟

 وبالعودة لمشروع الاكتئاب البيروتي الذي بدأ منذ اللحظة الذي كنت احزم فيها حقائبي – الجزء الاسوء من السفر – فقد كان لمنظر البيت القديم االمطل عبر شرفة غرفتي الصغيرة في الفندق دور في الاحداث التي تلت ذلك.  المذهل أنني لمحت سيارة بي ام دبليو زرقاء تقف في مرآب المنزل الذي كنت اظنه مهجورا، هكذا أوحت لي نوافذه المكسورة وشرفاته المتداعية ولكن منذ متى تقود الاشباح السيارات الالمانية؟

 ولأني كنت أول الواصلين ولأن الانترنت لم يكن قد تم ايصاله بالغرف بعد، قررت أن أعيش الجو وأن أستمع لفيروز فربما يكون وقع صوتها مختلفاً حينما أكون في بيروت وقبالة هذا البيت القديم. فتحت جهازي وانساب صوت فيروز“فزعانة ياقلبي أكبر في هالغربة وماتعرفني بلادي” لاأعرف لماذا أجترت الكلمات كل التفاصيل المحزنة بداخلي فأي شئ يمكن ان يكون اسوء من ان يلفظك وطنك وانت تعيش فيه؟

 على انني لم أسمح لنفسي بالانكباب طويلا على ذاتي التي كانت تلتمس في بيروت ملجأ للهروب من الحالة النفسية السوداوية التي صرت أعيشها بشكل يومي في ظل الاحداث الاخيرة.  أتصلت بمكتب الاستقبال للاستفسار عن الاماكن القريبة التي يمكن ان اقصدها سيراً على الاقدام فقيل لي انني في منطقة عين المريسة وان الكورنيش وشارع الحمراء على بعد أمتار قليلة من الفندق.  جهزت نفسي وكاميرتي استعداداً للخروج حينما رن هاتف الغرفة.  كانت دعاء العدل رسامة الكاريكاتير بجريدة “المصري اليوم” والتي التقيها للمرة الاولى في هذا التجمع للمدونات العربية والدنماركية.  سألتني عن برنامجي لبقية اليوم فقلت لها بأنني أود إستكشاف المنطقة المحيطة بالفندق واتفقنا على ان نذهب سوياً ثم نقصد مطعم قريب لتناول وجبة غداء متأخرة

قليلون هم من تتصرف معهم على سجيتك حينما تكون المرة الاولى ودعاء كانت من هذا النوع، شاكستها كثيرا وأتعبتها بمسايرتي في المشي لمسافات طويلة فقد قررت منذ زمن عدم استكشاف المدن من خلال نوافذ التاكسي التي تفّوت عليك فرصة التمعن في التفاصيل ويضيع عليك الباقي ثرثرة اصحابها.  أكتشفت خلال تجوالنا اننا نسكن في منطقة تزخر بالبيوت الأثرية التي تعود للعصر العثماني وربما أقدم وكان من الصعب كما ذكرت في التدوينة السابقة ان ألم بتاريخ وقصص جميع هذه البيوت.  ألتقطت الكثير من الصور وتبادلت بعض الاحاديث العابرة مع بعض المارة. وبعد ان تّمكن منا الانهاك والتعب وأكتشفنا اننا تائهتين في شوارع بيروت ندور في نفس الحلقة المفرغة قررنا ايقاف تاكسي لأخذنا لمطعم قريب.  لاأعرف ان كانت هذه ملاحظة تستحق الذكر ولكن أكثر شئ ضايقني كما ضايق غيري ونفّرنا من التجول في بيروت هو مماطلة سواق التاكسي ومحاولاتهم المستمرة لاستغلالنا حالما يدركون اننا غرباء عن المدينة

 يقول البعض ان “العين الشبعانة” لايمكن ان تجوع او يصيبها التطرف ولكنني صدمت إلى حد ما حينما بدأت اتابع “الجرافيتي” في شوارع بيروت، اذ لم أتخيل ان يكون الإغتصاب والعنف الاسري ظاهرتان اجتماعيتان متفشيتان في لبنان إلى هذا الحد.  أدركت لاحقاً أهمية فن الجرافيتي في عملية التوعية حينما وجدت نفسي أبحث في غوغل عن القضايا التي تطرقت إليها.  قلت لميلي ونحن نتجول في شوارع بيروت فنتوقف تارة لقراءة الجدران وتارة أخرى للنظر في قعر الحفر الاستكشافية، لو أنني قرأت هذه العناوين على لوحات البيلبورد الإعلانية في الشوارع لسلمت بوجودها ثم نسيت الموضوع، لم أكن لأبحث عن التفاصيل فردت: اتعرفين لماذا؟ لاننا لم نعد نثق بصوت المؤسسات الرسمية بينما صدق الجدران غالبا مايكون مجرداً من الرتوش

ازاء هذا الصدق لم استطع الا ان أبادل بيروت الشئ ذاته، هذه المدينة التي يشبه باطنها صندوق كنز ينتظر من يرفع الغطاء عنه وعلى سطحها كنوز أخرى ينهبها البعض أو يشوهها بسبب الجشع والفساد ولكنها في النهاية معضلة معظم الشعوب العربية التي لازالت تحلم بتاريخ لايعيد نفسه

Share

« Older Entries