لم أكتب يوماً بإيعاز من أحد ففعل الكتابة عندي مرتبط بالرغبة في إفراغ ذهني من فكرة تظل تروح وتجئ ، فأما ان استسلم لإلحاحها بالكتابة وأما ان أظل اؤجل واؤجل حتى تفقد بريقها أمام أفكار جديدة أخرى أوأنني أرغم على صرف النظر عنها بسبب عامل الوقت. في جميع الاحوال، مالم تتمكن مني جملة أو فكرة تجعلني ألتصق بمفاتيح جهاز الكمبيوتر كما يحدث الآن فلا شئ يمكنه ان يثنيني عن التوقف عن الكتابة
ما جدوى المسيرات والاعتصامات؟ هل ستحرر فلسطين أو توقف العدوان على غزة؟
هل ستصل التبرعات إلى غزة ام انها ستنُهب كما نهُب الذي قبلها؟
ما نفع المقاطعة اذا كانت حكوماتنا لاتقاطع؟
طوال الايام التي مضت وانا استمع الى اسئلة واستفهامات من هذا النوع، جمل غير مفيدة تركن إلى السكون والاستسلام للأمر الواقع وُتحمل الحكومات مسئولية ما يحدث في غزة. لا أنكر على هؤلاء حقهم فى الحصول على اجابات لأسئلتهم أو معرفة الجهة التي ستتصرف في تبرعاتهم ولكني استنكر موجة السلبية والتقاعس عن اداء واجب انساني قبل اي شئ آخر وفي نفس الوقت تثبيط عزائم الآخرين والتشكيك بجهودهم أو محاولة النيل منها بالتهكم والسخرية
وأنا آقول لولا الجمهور الذي لاعقل له، لولا الاستنكار الغوغائي الذي شاركت فيه الشعوب في الهجوم على السفارات الاسرائيلية، لولا سياط الكلمات المؤنبة للحكام المتواطئين، لولا الحرج الذي أوقعهم فيه استنكار وتحرك حكومات وشعوب لاتمت للعروبة ولا للأسلام بشئ، لولا صور جرائم حرب الصهاينة البشعة التي بثتها وسائل الاعلام حول العالم، لولا الدعوات لمقاطعة الاسرائيليين وكل من يدعمهم، لولا صمود المقاومة والشعب الفلسطيني قبل اي شئ آخر لما توقف العدوان على غزة ولو بشكل مؤقت ولولا ذلك لما اوقفت بعض الدول الخليجية تطبيعها مع اسرائيل وعلقت علاقاتها معها. القرارات الدولية لم تلجم العدوان الصهيوني او توقفه يوما عن الاستمرار في مجازره وتحقيق اهدافه طالما ان المجتمع الدولي يدير ظهره للشعب الفلسطيني ويلوذ بالصمت حيال ما تتخذه اسرائيل من قرارات
نحن مطالبون اليوم أكثر من اي وقت مضى بعدم الركون الى الصمت والسلبية وعدم طيّ ملف القضية الفلسطينية بعد اسابيع او شهور من توقف العدوان، فحتى وان وضعت الحرب اوزارها فأن اسرائيل لن تتوقف عن عدوانها وعن تصميمها على استئصال المقاومة وتصفية القضية الفلسطينية، ربما تتوقف حاليا حتي تهدأ ثورة الرأي العام ولكن الشئ المؤكد انها لن تتوقف عن الاستمرار في مخططها الاستيطاني
واليوم أكثر من اي وقت مضى تحتاج غزة لمساعداتكم وتبرعاتكم لإعمار ماسحقته الآله الحربية الاسرائيلية وما خلفته من دمار قضى علي البنى التحتية وشرد الآف الأسر الفلسطينية بعد ان تهدمت بيوتهم ومدارسهم ومساجدهم
اليوم أكثر من أي وقت مضي نحن بحاجة الى إعادة النظر في نمط حياتنا الاستهلاكي الذي لم يكن يعير مقاطعة البضائع الاسرائيلية والسلع والمنتجات الامريكية التي تساهم بنسبة كبيرة من ارباحها في دعم الترسانة الحربية الاسرائيلية أية اهمية رغم ان مقاطعتها لن تجعلنا نتضور جوعا أو تقتل اطفالنا او تدمر بيوتنا او تجعلنا نتحمل حتى ابسط انواع المعاناه التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني كل يوم
اليوم أكثر من اي وقت مضى علينا ان نستوعب بأن ارادة وتلاحم الشعوب يمكن ان تحقق ما عجز عنه مجلس الأمن والأمم المتحدة والقمم العربية خلال ستين عام
اليوم أكثر من اي وقت مضى علينا ان نتقن استخدام ادوات الاعلام الجديد ونجيرها لصالح شعوبنا وقضايانا
اليوم أكثر من اي وقت مضى علينا ان ندرك ان صوتنا ملك لنا لا ملك حكامنا ولاملك من يتبعون