سلوى القطريب .. وداعا
خلف البحر شو في تاالناس بتسافر
درب السفر مخفي يمكن ماله آخر
عنوان هذه التدوينة هي أكثر جملة رسخت في ذهني بعد مشاهدتي لهذا الفيديو على موقع اليوتيوب وهي مقابلة أجرتها محطة تلفزيونية روسية قبل اسابيع مع البروفيسور الامريكي نورمان فنكلستين الذى استضافته البحرين مؤخرا والقى محاضرتين حول الدوافع الحقيقية لمجازر اسرائيل في غزة وعن جذور سياسة امريكا الخارجية في منطقة الشرق الاوسط
لم اتمكن للاسف من حضور اي من المحاضرتين ولكني قمت بالبحث عن اعمال ومقالات الكاتب علني اعوض شيئا مما فاتني. احدى الصديقات تطوعت بإرسال بعض المقالات عن البروفيسور نورمان كان افضلها مقال لنعوم تشومسكي، والمقال يروي قصة صراع نورمان فنكلستين، الكاتب اليهودي الامريكي والمختص في العلوم السياسية مع اسرائيل بسبب دعمه للقضية الفلسطينية وكتابه الشهير حول صناعة المحرقة
أكثر ما لفت نظرى في هذه الشخصية المناضلة هو اصراره وعزيمته رغم الضغوط التي تعرض لها على مدى ٢٥ عام بسبب اراءه المناهضة لإسرائيل واعترافه بإن حياته المهنية قد انتهت عمليا بسبب ذلك بعد ان تم تضييق الخناق عليه من قبل اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية فسدت الابواب في وجهه وخسر العديد من فرص التدريس في اعرق واكبر الجامعات عدا عن كونه قد اصبح منبوذا من المجتمع اليهودي ومن اسرائيل التي تشن عليه حرب من جميع الجهات الا ان كل ذلك لم يزحزحه قيد انمله عن التمسك بآراءه ومعتقداته
نورمان رد على سؤال المذيعة له عن ما إذا شعر بالاسف او الندم على مسيرته المعاكسة للتيار بعد كل الخسائر والضغوط التي تعرض لها قائلا: لم اندم ابدا، هل هناك ما هو مجز في هذه الحياة أكثر من قدرة الانسان على ممارسة حقه في التعبير عن ما يؤمن به؟ لكل منا حرية اختيار نوع الحياة التي يريد ان يعيشها وبالنسبة لي اعتقد بإنها كانت حياة رائعة لأنني استطعت ان اقول ما اؤمن به

” أسمي عائشة، سودانية من الجزيرة من محافظة مدينة المناقل. نشأت وسط عائلة بسيطة محافظة ومتكاتفة، لي ثلاثة أشقاء وثمان شقيقات. لم أواصل تعليمي فقد توقفت عن الدراسة عند المرحلة الابتدائية وبالتحديد عند الصف الرابع.
في بلدتي تتزوج الفتاة من أول خاطب يطرق بابها وليس من حقها ان ترفض أو تقبل فقرار الزواج بيد أهلها. كنت في الثالثة عشرة من عمري حينما طرق بابي أول خاطب ووافق أهلى بعد أن تعرفوا على عائلته، فحسب تقاليد عائلتنا يكفى ان يكون الخاطب على خلق وان تتمتع عائلته بسمعة جيدة ليتم الزواج.
كنت طفلة صغيرة أعيش مطمئنة في كنف أسرتي لذلك حينما تزوجت طلبت من زوجي أن نقيم في منزل عائلتي اذ لم أعتد على العيش بعيدا عن أمي فوافق دون تردد. كان زوجي رجل طيب ومتفهم يعمل سائق في أحد المؤسسات ويكبرني بسبعة عشرة عاما وقدعشت معه حياة مستقرة وهانئة ولكنه توفي بعد سنوات قليلة من زواجنا تاركا لي ثلاثة ابناء هم (أبو اليسر) و(محمد) و(يسرية) وكان عمر يسرية آنذاك سبعة شهور.
بعد وفاة زوجي بفترة بسيطة تعرضت لضغوط شديدة من عائلتي والمقربين مني لكي أتزوج خصوصا اني كنت لاازال شابة لم تتعد العشرين من العمر. تقدم لخطبتي صديق زوجي الذي كان يعمل سائقا معه في نفس المؤسسة. قال لي يومها ان كل ما يتمناه هو أن يشاركني حياتي وان يربي معي أولادي فوافقت لأن كلماته أثرت بي وشعرت بأنه سيكون عطوفا رحيما بأولادي فقبلها تقدم لي كثيرون أحدهم أشترط على ان أترك أطفالي لدى والدتي على ان يقوم هو بالتكفل بمصاريفهم كل شهر ولكني رفضت لان الأمومة في نظري ليست صدقة شهرية.
زوجي الثاني كان في الثلاثين من العمر، والداه متوفيان ولكن عائلته أعترضت على أقترانه بي لأنه لم يسبق له الزواج لذلك تزوجنا في هدوء ولم نقم أي حفل للزفاف خصوصا وأنه لم يكن قد مضى على وفاة زوجي الأول سوى عام واحد “.
رحلة عائشة مع فيروس الإيدز
“رحلت بعدها مع زوجي إلى الخرطوم، عشنا حياة جميلة خالية من المشاكل والمنغصات وهناك أنجبت أبنى الرابع الذي أتفقنا أنا وزوجي على ان نسميه (أحمد) تخليدا لذكرى زوجي الراحل. ثم عدت أدراجي الى مسقط رأسي في الجزيرة وبقيت أربي أبنائي هناك إلى جانب زوجي الثاني بعد ان أنجبت منه (عزاز) و(إحسان) و(مهند) وأخيرا (رحمة) آخر العنقود والتي انجبتها بعد اصابتي بمرض الأيدز.
ذات يوم شعرت بألم حاد في الجانب الأيمن من خاصرتي فتوجهت لمستشفى الجزيرة الحكومي في السودان، قابلت جراح متخصص أخبرني ان سبب الالآم وجود حصى في الكلى وبأنني بحاجة لإجراء عملية لإزالة الحصى. بعد اجراء عدة فحوصات تبين اني اعاني من نقص حاد في الدم فنقلوا لي ما يقارب زجاجتين كاملتين من الدماء وطلبوا مني ان أحضر بعد شهر تقريبا لإجراء العملية ولكنى لم أعود لأني شعرت بتحسن في صحتي كما ان الآلآم قد هدأت قليلا.
لم تمض سوى ثمانية أشهرلتعاودني الآم مبرحة كانت اشد من الأولى، ذهبت الى الخرطوم لمقابلة اخصائي امراض باطنية أكد لي بعد عدة تحاليل اني معافاة ولا اعاني من شئ. لم أطمئن للنتيجة فالآلآم لم تبارحنى منذ ذلك الوقت وشعرت بأني اعاني من شئ ما فذهبت لمركز ابن سينا الصحي وهناك قالوا لي اني لا اعاني من حصى في الكلى بل ألتهاب شديد في المرارة هي سبب شعوري بالألم. بعد عدة شهور نقص وزني كثيرا ورافق ذلك أعراض أخرى مثل الاسهال المتواصل والتعب والحمى وعدم القدرة على النوم. مرة أخرى تم تحويلي لمختبر لتحليل دمي وهذه المرة جاءت النتيجة في ظرف مختوم بالشمع الأحمر. أخبر الطبيب زوجي بحقيقة مرضي ولكن زوجي لم يصارحني بالأمر وكل ما قاله لي أنه مرض كمرض الضغط والسكري وبأنه لن يكون بإستطاعتنا ان نمارس علاقتنا الزوجية.
بعدها أخذني زوجي لطبيب آخر فتح الظرف امامي وقال لي بأني مصابة بالإيدز، صعقت ولم أملك حينها سوى ان أبكي من هول الصدمة، انا مصابة بالإيدز؟؟ منذ متى وكيف؟ فرد الطبيب: اسألى نفسك، تذكري ماذا ارتكبتي بحق نفسك لتنقلى اليك هذا المرض القاتل. هكذا ببساطة وصمني الطبيب بالمومس دون ان يعرف اي شئ عني. قلت له أنا امرأة متزوجة وليست لدي أى علاقات غير شرعية خارج اطار الزواج وهنا دخلت أمي وزوجي إلى غرفة الطبيب الذي صب جام غضبه على زوجي متهما اياه بنقل المرض لي. شعرت بالغضب الشديد من زوجي فبدأت أهاجمه وأوبخه وانا ابكي، حاول ان يدافع عن نفسه ولكني لم أكن أرغب في سماعه وكانت أمي تحضنني في هذه الاثناء. منذ ذلك اليوم ساءت علاقتي وعلاقة أهلي بزوجي الذي وجُهت اليه اصابع الاتهام حتى ظهرت نتائج الفحص التي بينت ان زوجي وأولادي خاليين من المرض. أعتذرت من زوجي وأدركت حينها ان المرض قد أنتقل لي عن طريق الدم الذي نقل لي في المستشفى.
تحطمت نفسيتي ودخلت في حالة من العزلة والاكتئاب، ابعدت عني زوجي وأولادي خوفا عليهم من المرض .. كنت سأنهار لولا الممرضة السودانية (نفيسة) التي أخرجتني من الحالة النفسية التي كنت أمر بها، وأكتبي هنا على لساني شكر خاص لهذه المرأة الرائعة التي أعانتني على مواجهة مرضي ومواجهة الناس. فقد عرفتني نفيسة على الكثير من الاخصائيين وعن طريقها بدأت في حضور المحاضرات والندوات وشاركت في توعية الناس والطلبة في الجامعات. كما ظهرت على عدة قنوات اذاعية وتلفزيونية في مقابلات وبرامج خاصة ، واجهت العالم على الرغم من صعوبة ذلك لأغير من نظرة الناس لمرضى الإيدز فهناك من كان ينادى بإحراق وابعاد وعزل مرضى الإيدز دون حتى ان يعرفوا الأسباب، أردت ان أدافع عن نفسي وعن حقوقي كإنسانة.
قد لا تتخيلين ما مررت به جراء ذلك من مواقف صعبة فكل منزل كنت أسكن فيه كان يطردني منه المالك حالما يعرف بإصابتي بفيروس الإيدز. طردوني واضطهدوني وحرق الجيران أثاث منزلي ولم أعرف إلى اين أذهب مع أولادي. كان ابن خالي يعمل مُدرس في مدرسة حكومية فسرب دخولي انا والاولاد إلى داخل المدرسة لننام في أحد الفصول الخاوية لحين تدبير مكان أسكن فيه. ولكن مدير المدرسة أكتشف الأمر ففصل ابن خالي من عمله كما علم أولياء الأمور بالقصة فشنوا حملة ضارية على وعلى اولادي وهددوا بسحب أولادهم من المدرسة ما لم تقم الادارة بطردهم وهذا ما حصل فقد اذعنت الادارة لرغبتهم وفصلت ابنائي.
ذهبت لمقابلة وكيل وزارة التربية والتعليم شخصيا وطلبت منه ان يعيد ابن خالي الى العمل فقد شعرت بالذنب لأني تسببت في قطع رزقه وهو الذي اراد مساعدتي، تفهم وكيل الوزارة الوضع وكلم مدير المدرسة ليعيد ابن خالى الى عمله. ثم ذهبت للقاء مديرة مدرسة ابنائي، شكيت لها حالتي وسألتها عن الذنب الذي أقترفته أو أقترفه أولادي ليستحقوا النبذ وحرمانهم من التعليم، تعاطفت المديرة مع قصتي وأعادت اولادي الى صفوف الدراسة. ولكن الاولاد لم يسلموا من التحقير والاستهزاء من الطلبة الآخرين خصوصا ابني الكبير (أبو اليسر) الذي ترك المدرسة بعد ان وصل للصف السابع لأنه لم يحتمل قسوة الالسن التي كانت تلوك سيرتي بالسوء. اما ابنائي الآخرين فقد تراجع مستواهم الدراسي ورسبوا في الكثير من المواد ما عدا (أحمد) و(عزاز) اللذان حافظا على نفس مستوى تحصيلهما الدراسي.
رحلت إلى ام الدرمان واستقريت هناك، جميع ابنائي الآن في السودان و(رحمة) التحقت حديثا بالروضة. جزء كبير من صمودي سببه وقوف زوجي إلى جانبي فهو من يرافقني في رحلاتي ويوصلني للمحاضرات والندوات التي أحضرها، اما أولادي فيذكرونني بمواعيد جرعات الدواء ويشيرون على حتى بما ألبس وكيف اتعايش مع وضعي.
انا كما رأيتم لا زلت محتفظة بشجاعتي ورباطة جأشي على الرغم من مرور عشر سنوات على اصابتي بالفيروس ولا أتردد في حضور أي محاضرة أو مقابلة أُطلب خلالها ان اواجه الناس وان اتحدث عن تجربتي مع الإيدز. سألتها وماذا تفعلين الآن في القاهرة فأجابت: أصابني ورم حميد في الكبد وانا الآن بحاجة لإجراء عملية لاستئصال هذا الورم، حضرت للقاهرة للإستشارة ولإجراء العملية وان كنت أشك بأن اي طبيب سيقبل بإجراء العملية فدمائي ملوثة بفيروس الايدز”.
عند هذه العبارة توقفت عائشة عن الكلام فقد كانت الدكتورة خديجة المعلى والآخرين بإنتظارها خارج الفندق لاصطحابها لأحد المستشفيات في القاهرة.
الصورة بعدسة حسين المحروس. التقط حسين العديد من الصور لعائشة وحينما أردت ان أنشر هذا المقال كنت أبحث عن صورة تبدو فيها عائشة مبتسمة ولكن الأسى كان يطل من عيني عائشة في جميع الصور.
لقائي معها ترك وراءه علامات استفهام عدة، فجأة وجدت نفسي مدانة بالانانية، بالدعوة إلى مبادئ وقيم لا أطبقها. هذه المرأة فتحت عينّي على حقائق وأمور كثيرة لن أقول بأني كنت أجهلها ولكني ربما لم أفكر في تداعياتها.
لم أكن اعرف من هي روزانا باربيرو ولا ماهو طبيعة عملها غير أنه لفت أنتباهي أهتمامها المفرط بجميع المحيطين بها، فهي أول من يثب لمساعدة الآخرين وأول من يسأل عنهم حتى وان لم يكونوا من ضمن دائرة معارفها او اصدقاءها المقربين. ألتقيت بها عن طريق أحدى الصديقات وكنا يومها نستعد للذهاب لأحد المقاهي القريبة لأستكمال حديثنا .. أقترحت مقهي ستاربكس لأنه كان الأقرب فعارضت بشدة مبررة الاسباب الى انها لا تتعامل مع مقهى يجنى ارباحه على حساب استغلال الفقراء وفي المجمل بإنها مقاطعة لكل ما هو أمريكي الصنع. قلت لها لأكون مثلك سأحتاج ان اقاطع حياتي بأكملها، ليس ذلك فحسب بل على ان اقاطع اقتصاد بلدي الذي يرتبط في تعاملاته بالدولار الامريكي، هل تدركين حجم المشكلة؟ أنها أكبر بكثير من مجرد مقاطعة للبضائع والسلع الامريكية.
قالت هل تعرفين بإن كل فنجان قهوة تحتسينه في ذلك المقهي وتدفعين لقاءه ما يقارب الثلاث دولارات يتقاضى مزارعي البن مقابله ثلاث سنتات؟ قلت قرأت شيئا من هذا القبيل في مكان ما وسأصدقك القول بأني لم أكترث كثيرا للأمر، هناك الكثير من الاستغلال والظلم في هذا العالم ما قد يتعبنا لو أقتفينا أثره .. قلتها ثم شعرت بأنني قد تفوهت بما ينم عن انانية مفرطة جعلتني أشعر بالخجل من نفسي.
في ذلك المساء عدت الى المنزل لانكب على قراءة الروابط والوصلات التي زودتني بها روزانا حول فيلم الذهب الاسود وهو فيلم يتناول تجارة البن واستغلال المزارعين، ثم عرجت على مواقع أخرى لأطالع الحملات الدعائية التي شنتها ستاربكس للدفاع عن سمعتها وعلامتها التجارية والمبالغ الطائلة التي اضطرت لدفعها لتدرء عن نفسها تهمة الاستغلال. وبينما كنت أتقصى موضوع الذهب الاسود طالعني تحقيق آخر أجرته مؤخرا صحيفة الاوبزرفر عن شركة غاب الامريكية للألبسة والذي كشف عن تورط مصنع تابع للشركة في الهند بتشغيل أطفال في العاشرة من العمر لساعات طويلة في ظروف صحية مزرية لقاء اجور زهيدة يماطل اصحاب المصنع بدفعها.
بعد أيام دعتني روزانا وزوجها لتناول العشاء في منزلهما ثم جلسنا نطالع معا بعض الصور .. أطفال كمبوديا .. المنزل الذي عاشت فيه أكثر من عشر سنوات كناشطة من استراليا لمنظمة اوكسفام، عشر سنوات من العيش البدائي في كوخ من الخشب دون كهرباء او مياه جارية بينما أماطل أنا في شرب قهوة من مكان آخر رغم توفر عشرات البدائل. لم أكن بحاجة لوقت طويل حتى أدرك حجم اللامبالاة التي يعيشها معظمنا في هذا الجزء من العالم حيث لا يعني ألم ومعاناة الآخرون لنا شيئا مقابل كوب قهوة أو ملابس أو كماليات أخرى نرفض الاستغناء عنها حتى لو ثبت لنا تورط صانعيها بجرائم يندى لها الجبين خجلاً.
فكرت حينها كيف لنا ان ننادي بالمسئولية الاجتماعية ونحن لا نطبق ابسط أسسها وهو الاحساس بالمسئولية الذاتية، وماذا يمكن ان يحل بالعالم لو أننا أدرنا ظهورنا للظلم والاستغلال لأنه ليس قريبا من مواطئ اقدامنا؟ ربما لم تكن لتتحرك هذه الشركات العملاقة لفعل شئ ولأستمرت في مضاعفة ارباحها على حساب استغلال المزيد من الشعوب وغرقها في مستنقع الفقروالرذيلة اذ لم أكن اتصور ان لسياسة التجارة الحرة أو الخصخصة علاقة بالفقر والمتاجرة بالدعارة حتى استمعت لهذا اللقاء الذي اجراه البرنامج الاذاعي ذس از هل مع روزانا وآخرين. ورغم ان المقابلة تتمحور حول كمبوديا الا ان هناك ما يتعلق بالمفهوم العام لتأثير سياسة التجارة الحرة على الدول ما جعلني اتسائل عن ما سيؤول اليه حالنا بعد ان تتمكن منا الخصخصة. اى طريق سنسلك وهل سيكون مستقبلنا أكثر حلكة من حاضر كمبوديا؟


لاتستطيع ان تقترب من ميرون دون ان تشعر بشئ من وجع الانتظار، بالحزن الذي يثقل جدائلها فترخيهما على ذراعيها المفتوحتين على العالم.
كلما اقتربت منها خطوة كلما أغرتك بالاقتراب عشرات الخطوات، بإتباعها دون ان تكون قادراً على التمييز ما إذا كان ما تتبعه هو حقا تلك الفتاة النحيلة ذات الجدائل الطويلة أم ان بصرك قد خانك فصّور لك ظلام الاحتلال الذي زحف لقرية ميرون الفلسطينية ظلال فتاة صغيرة بجديدلتين لا تعرف متى وكيف ظهرت في طريقك.
هناك دائما بصيص من النور في عالم ميرون مهما أستبد بها الحزن ودفعها اليأس لقص جدائلها، رسالة صامتة ترسلها على طريقتها إلى العالم لتعبر عن استيائها وثورتها.. قد تستطيعون سلبي وطني وجدائلي ولكنكم لن تستطيعوا ان تسلبوا مني أملي فهو شراعي للعودة.. ضوء القمر الذي سيظل يرافقني أينما كنت.
هي أمل وميرون هي أبنتها وأملها، لا أعرف كم من المسافات والمدونات قطعت حتى ألتقيت بها ولكنه كان لقاء مع ماض ظننت أنه يرقد بسلام منذ سنوات. ميرون أعادتني الى طفولتي .. إلى ناجي العلي .. إلى الخليج .. إلى القبس .. الى يوم كان يبدأ بأسم فلسطين وينتهي بها .. إلي زمن كانت فيه هزيمة فلسطين هي هزيمة العرب الوحيدة.
ميرون تصحبك لتعيش الكلمات في صورة، في خطوط بسيطة ومؤثرة، فهي كما تقول عنها أمل كعوش رسامة الكاريكاتير الفلسطينية الفتاة التي تستطيع ان تصير ما تريد متى تريد. هي الفراشة التي تحوم بشغف حول الضوء، هي الشجرة التي ترمز الى فلسطين والمقاومة متجسدة في الوريقات الصغيرة التي تنبتها ذراعيها حينما تجف الاشجار.
أمل رسامة كاريكاتور واعدة قدمت جريدة السفير اللبنانية بعض أعمالها ومازال في جعبتها الكثير لتقدمه لنا، تأثرت برسومها ووجدت فيها ما يستحق أن أكتب عنه في هذه المدونة وان أقدمه لكم لتتعرفوا عليها عن كثب.
لزيارة موقع الفنانة أمل كعوش أنقر هنا.