لم أكتب يوماً بإيعاز من أحد ففعل الكتابة عندي مرتبط بالرغبة في إفراغ ذهني من فكرة تظل تروح وتجئ ، فأما ان استسلم لإلحاحها بالكتابة وأما ان أظل اؤجل واؤجل حتى تفقد بريقها أمام أفكار جديدة أخرى أوأنني أرغم على صرف النظر عنها بسبب عامل الوقت. في جميع الاحوال، مالم تتمكن مني جملة أو فكرة تجعلني ألتصق بمفاتيح جهاز الكمبيوتر كما يحدث الآن فلا شئ يمكنه ان يثنيني عن التوقف عن الكتابة
قلما أحب كاتب ما وأحب كتاباته في آن واحد ولكن هناك اسباب كثيرة تجعلني أحب شخصية الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي وأظن أنني سأحبها أكثر في الايام القادمة ولاتسألوني عن الاسباب .. اقرأ المزيد
في تتبعي لسيرة وتاريخ الناشطات في العالم العربي لاحظت ان هناك سيناريوهات متكررة للطعن في مصداقية ناشطة حقوق المرأة فإذا كانت عزباء قالوا ان دفاعها عن حقوق النساء هو بسبب كراهيتها للرجال والا لما عزفت عن الزواج، وإذا كانت منهمكة في الدفاع عن قضيتها ولم تعط اهتماماً لمظهرها الخارجي قالوا انها مسترجلة وتفتقد إلي الانوثة. اما اذا كانت لاتنتمي لهذا او ذاك فهي اما علمانية او ليبرالية تدعو للفحش والفساد وتهدف للشهرة ولعل مقال الكاتبة والإعلامية السعودية نادين البدير الاخير عن تعدد الازواج أكبر دليل على ذلك
ناشطات حقوق المرأة في العالم العربي أكثر النساء اللواتي يتم اضطهادهن فالمجتمع العربي مجتمع ذكوري يعلو فيه صوت العادات والتقاليد على صوت الدين والقانون، وأي تقاليد؟ التقاليد البالية والمتخلفة التي مازالت المرأة ترزح تحت ثقلها حتى يومنا هذا. ما يدهشني بل يصيبني بخيبة الامل هو اضطهاد المرأة للمرأة فحينما طُرحت فكرة سن قانون للأحوال الشخصية في البحرين عام ٢٠٠٥ خرجت العشرات من النساء في مسيرات للاحتجاج على تمرير القانون بعد ان أوحى لهن شيوخ الدين بإن القانون الجديد قانون علماني يخدم المصالح الغربية ولايستمد مواده من أحكام الشريعة الاسلامية
لم تسأل هؤلاء النسوة عن تفاصيل القانون الذي يهدف في المقام الأول لحمايتهن وما اذا كان الظلم الذي يقع عليهن يوميا من قبل ازواجهن وفي المحاكم الشرعية مستمدان من احكام ومبادئ الشريعة الاسلامية، لم يفكرن في الاطلاع على بنوده او مناقشتها مع هؤلاء الشيوخ وأكتفين بالانقياد الاعمى لمايقولونه لهم كما لو انه قد تم تنويمهن مغناطيسياً
وللاسف لم يكتف المعارضون بحشد الرأي العام ضد قانون احكام الاسرة بل مزقوا وكسروا اللافتات والاعلانات التي صاحبت الحملة في الشوارع العامة وكثفوا جهودهم لإجهاض أية محاولة لرفع المعاناة عن المرأة البحرينية حتى تحقق لهم ما ارادوا ووأد المشروع في مهده. وانا أريد اليوم ان اسأل هؤلاء: ماذا حققتم للمرأة البحرينية من مكاسب بعد مرور اربع سنوات علي رفضكم للقانون؟ ما الذي تغير؟
لماذا لم توفروا بعض قواكم وطاقاتكم التي جندتموها لوقف التجنيس السياسي العشوائي في البحرين للمطالبة بالجنسية لإبناء البحرينية المتزوجة من أجنبي؟ لتعديل قانون الجنسية البحريني الذي يبيح للبحريني المتزوج بأجنبية الحصول على الجنسية لها ولابناءه منها ولايعطي نصف هذا الحق للمرأة البحرينية؟ لماذا لم نسمع عن مسيرات للمطالبة بهذا الحق رغم علمكم بما قد تعانيه المرأة البحرينية حينما تُحرم هي وابناءها من السكن والعمل والتعليم خصوصا حينما يتوفي الزوج الاجنبي او عندما يطلقها او يهجرها وهي لاتزال مقيمة في البحرين. اليس ابناء البحرينية أحق بالجنسية من المجنس الغريب وابناءه؟
تتزايد قضايا الطلاق العالقة في المحاكم الشرعية كل يوم (٩٠٠ قضية في عام ٢٠٠٨ بزيادة ناهزت الـ ٥٠٪ عن عام ٢٠٠١ وبمعدل زيادة سنوية تقدر بـ ٥٠ قضية) وحجم قضايا العنف ضد المرأة ايضا يتزايد(٤٣٪ من النساء يتعرضن للعنف بصورة مستمرة كما ان العنف اصبح مقبولا اجتماعيا وأخلاقياً حسب دراسة مسحية للإتحاد النسائي البحريني) بسبب غياب قانون للاحوال الشخصية والاجتهادات المختلفة والمتضاربة أحياناً التي يعتمدها قضاة المذهبين السني والجعفري للفصل في أحوال الاسرة
تحكي لي والدتي بين الحين والآخر عن قصص فساد بعض المشايخ قبل اربعين عاماً حينما كانت تستنجد بعض النساء بهم لطلب الطلاق من ازواجهن للضرر فيساومونهن بالموافقة علي تطليقهن مقابل الزواج منهم، واتذكر قصص المحامية البحرينية لولوة العوضي عن القضايا التي كانت تترافع فيها وشعورها بالخذلان امام احكام بعض القضاة الذين لايرون حتى في دخول المرأة على كرسي متحرك لقاعة المحكمة وما خلّفها لها عنف زوجها من عاهات مستديمة مايشفع لها بطلب الطلاق فالتشريعات البحرينية كانت ولازالت تفتقد نصوص تجريم العنف ضد النساء. اتذكر قصة امرأة بحرينية اتصلت بإذاعة البحرين لتسرد لهم قصة ادمان زوجها على نوع من العقاقير الطبية التي كان لها مفعول المخدر واستياءها من قاضي المحكمة الذي سخر من شكواها طالباً منها ادمان نفس الاقراص التي يتعاطاها زوجها حتى تتخلص من المشكلة
اتذكرعشرات قصص المعاناة التي يعشنها نساء اعرفهن او اسمع قصصهن من خلال بعض الاقارب والاصدقاء، احلام الزواج السعيدة التي تنتهي إلى رحلة شقاء طويلة يضيع خلالها عمر المرأة في التردد على المحاكم وبقاءها معلقة لاهي بالمتزوجة ولاهي بالمطلقة واستغرب كيف اننا وبعد مرور اربعين عاما أو أكثر مازلنا نسمع القصص التي كانت تدور في عصر والدتي وجدتي واستغرب أكثر كيف بعد كل هذا وجود نساء يرفضن قانون الاحوال الشخصية
لاأعرف لماذا تتكتم وسائل الاعلام عندنا على هذه القصص؟ لماذا لا تنشرها على الملأ، فإطلاق القوانين على قواعد لاتستوعب القوانين لن يحقق نتائج ملموسة، علينا ان نعمل على تغيير العقليات وتهيئتها قبل ان نعمل على تنظيم حملات دعائية ونرصد لها ملايين الدنانير وهذا لن يتحقق مالم تشعر المرأة ذاتها بمدى الضرر الذي يقع عليها وعلى غيرها من النساء في ظل غياب قانون للاحوال الشخصية
جزء من اللقاء الذي اجراه برنامج اضاءات مع ناشطة حقوق المرأة البحرينية غادة جمشير
لماذا كلما اشتكت امرأة من ظلم وقع عليها تتوجه اصابع الاتهام مباشرة للرجل ولماذا يعتبر بعض الرجال مطالبة النساء بحقوقهن دعوة مفتوحة لشن الحرب عليهم؟ وهل الرجل هو المسئول الوحيد عن كل مشاكل ليلى في العالم العربي؟
دارت في بالي هذه التساؤلات اليوم وانا أتنقل بين المدونات التي شاركت في حملة كلنا ليلى واقرأ ردات الفعل المتعاطفة منها والهازئة ايضاً ووجدت نفسي استرجع وبشكل تلقائي ما تم مناقشته في الاجتماع الإستشاري الإقليمي لإعداد الدليل التدريبي عن حقوق النساء في مواجهة تحدي الإيدز الذي نظمته هارباس في تونس
فحسب آخر الاحصائيات التي اجراها برنامج الامم المتحدة، تعتبر نسبة النساء المصابات بفيروس الإيدز في المنطقة العربية من أعلى النسب في العالم اذ ارتفعت من ٤٨٪ في عام ٢٠٠٦ إلى ٥٠٪ في عام ٢٠٠٧ من مجموع المصابين الاجمالي . تصوروا ان نسبة النساء المصابات بالإيدز عندنا في العالم العربي أكبر مما هي في الغرب رغم ان حجم البغاء وانتشار تجارة الجنس هناك أكبر بكثير مما هي في الدول العربية!! والسبب الأول والرئيسي في هذه الزيادة المضطردة هي عدم المساواة بين الرجل والمرأة، الجنس الغير آمن وتدهور حالة حقوق النساء في البلاد العربية في السنوات الأخيرة . فالنساء العربيات بصفة عامة لايستطعن مطالبة او اجبار ازواجهن على اجراء تحليل الإيدز عندما يراودهن الشك بإصابة ازواجهن بفيروس الإيدز، والمرأة المصابة بالفيروس توصم بوصمة أكبر من التي يوصم بها الرجل المصاب وتعاني من اضطهاد ونبذ المجتمع لها
حتى الآن وفي كثير من الدول العربية تُجبر الفتيات القاصرات على الزواج من رجال أكبر سناً تكون لديهم خبرات جنسية متعددة سابقة او حالية في اطار الزواج وخارجه، وهناك مايقارب ١١،٧٪ من الفتيات في الفئة العمرية ١١ إلى ١٩ سنة في مصر متزوجات. الطامة الكبرى هو ان القانون يبيح زواج القاصرات فالسن القانوني للزواج في الكويت والضفة الغربية واليمن مثلا هو ١٥ سنة اما في غزة فهو ٩سنوات
تشويه الاعضاء التناسلية للإناث او ماسُمى بختان الأناث (لإضفاء نوع من الصبغة الشرعية عليه) لازال منتشراً في البلاد العربية واحيانا يتم بصورة جماعية وبإستخدام الاداة ذاتها التي تنقل الفيروس في حال وجوده من فتاة لأخرى
هناك تصاعد في عدد الزيجات قصيرة المدى في البلاد العربية مثل الزواج العرفي والمتعة والمسيار والمصياف (والبقية تأتي)، الامر الذي ساهم في انتشار رقعة المرض
وإذا سلمّنا بإن الرجل وبالأخص في اطار العلاقة الزوجية هو المتسبب الأول في إزدياد نسبة النساء المصابات بفيروس الإيدز في الوطن العربي فأننا لانستطيع اعفاء الحكومات والقادة الدينيين واولياء الامور والمحاكم الشرعية بل المرأة ذاتها في بعض الحالات من هذه المسئولية
فماهو الاجراء الذي تتخذه المحاكم ضد الرجل الذي تسبب في إصابة زوجته بفيروس الإيدز أو حتى اولياء الامور الذين يعرضون حياة بناتهن للخطر من خلال عملية الختان؟
من يمنع زواج القاصرات من الفتيات؟
من يحمي المرأة من العنف؟
لماذا تتنازل النساء عن حقوقهن المشروعة بإرتباط مؤقت لايوفر لهن ادنى مقومات الحياة الزوجية وفوق ذلك كله يعرضن حياتهن للخطر بالارتباط برجل قد ينقل لهن وللعشرات من النساء غيرهن مرض الإيدز؟
من يظلم ليلى اليوم وأمس ومنذ مئات السنين؟ هل هو الرجل وحده ام المجتمع الذي تتضافر جميع فئاته ومؤسساته في إذلالها تارة بأسم الدين وتارة أخرى بأسم العادات والتقاليد؟
كلنا ليلى لان الكل في موقعه ساهم بشكل ما بإلحاق الاذى بليلى سواء كان ذلك بالتزامه الصمت او التهاون في حقها .. كلنا ليلى لان الكل مسئول عن رفع الظلم عنها لا الرجل وحده
في العام الماضي وأثناء حضوري لورشة العمل التدريبية للمدونين والإعلاميين المستقلين العرب للتجاوب مع الإيدز ألتقيت بعائشة (أحدى المتعايشات مع فيروس الإيدز) والتي لمست من خلال حديثها حجم الاضرار النفسية التي لحقت بها جراء المعاملة القاسية التي لقيتها من المحيطين بها منذ بداية مشوارها مع مرض الإيدز، وبقدر ما تأثرت بقصة عائشة وألمها بقدر ماسررت هذا العام بنبرة التفاؤل والأمل التي شعرت بها في صوت رياض (متعايش آخر من تونس)، فهناك تطور ايجابي ملموس في التجاوب مع الإيدز والتفاعل مع هموم ومعاناة المتعايشين من خلال نشر قصصهم عبر وسائل الاعلام. هناك حملات نشطة على مستوى الوطن العربي ومحاولات لإنشاء بعض المؤسسات والجمعيات الخيرية لدعم مرضى الايدز في اقطار عربية كانت ترفض سابقاً مجرد الاعتراف بالمرض، فهل سنشهد اليوم الذي تستطيع فيه طفلة مثل سارة ان تتخلى عن قناعها الابيض لتقف امام الناس بكل قوة وشجاعة؟
رياض كان من ضمن الحضور في الإجتماع الإستشاري الإقليمي لإعداد دليل تدريبي حول حقوق النساء في مواجهة تحدي الايدز والذي نظمه البرنامج الإقليمي للأيدز في الدول العربية (هارباس) وقد كان حاضرا معنا في معظم جلسات النقاش والتشاور. أكثر ما كان يضايق رياض هو النظرة الدونية التي ينظر بها المواطن العربي للمتعايشين وماينادى به البعض من اقصاء لمرضى الإيدز وعزلهم عن المجتمع وحينما سألته عن امنياته للاعوام المقبلة قال: ان يحصل المتعايش على كافة حقوقه كإنسان في الحياة والصحة والغذاء والمسكن والخصوصية والمعلومات والتعليم والعمل وعدم التمييز
لم اسأل رياض عن قصته أو تفاصيل مرضه وفضلت ان اترك له المجال ليتحدث بحرية عن مشاعره وتمنياته بمناسبة اليوم العالمي للإيدز الذي يصادف الأول من ديسمبر من كل عام، وكان هذا اللقاء السريع الذي أجريته معه في بهو الفندق
أربعة ايام فقط هي عدد الايام التي أمضيتها في تونس لحضور الاجتماع الإستشاري الإقليمي الذي نظمه البرنامج الاقليمي للأيدز في الدول العربية (هارباس) لإعداد الدليل التدريبي وخطة العمل لتعزيز حقوق النساء في مواجهة الايدز/السيدا. هي المرة الأولي التي أزور فيها تونس والتي أعتقد بأنها لن تكون الأخيرة فخلال هذه الفترة القصيرة لم يتسنى لي زيارة العديد من المعالم والمناطق السياحية التي سمعت عنها مثل مدينة المنستير والحمامات ونابل وسوسة وطبرقة وجزيرة جربة وغيرها. كما أن هذا البلد قد اغواني بثراء جماله واصالته والذي لم أكن أعرف عنه سوى القليل وكان مرتبطاً في ذهني دائماً بمهرجان قرطاج الدولي
سأعترف في البداية أنني قبل ان أزور تونس كان لدى تصور مسبق بأنها تشبه اي بلد عربي آخر ولكن الواقع نسف كل هذه التوقعات وجعلني أعيد حساباتي بالنسبة لتصوري لدول المغرب العربي، فكل منطقة في تونس لها خصوصيتها وتفردها. هي عدة مدن في مدينة واحدة ومزيج غريب بين الشرق والغرب فشارع الحبيب بورقيبة في العاصمة التونسية مثلًا لايختلف كثيرا عن اي شارع عصري في اي بلد أوروبي آخر حتى ان أحد المشاركين في الاجتماع شبهه بشارع الشانزلزيه في فرنسا، فإبتداء من المسرح البلدي للكاتدرائية الكاثوليكية لنصب المؤرخ الكبير ابن خلدون في ساحة الاستقلال انتهاء بالمطاعم والمقاهي التي تدب فيها الحياة منذ الساعة التاسعة صباحا حتى منتصف الليل تذكرك بعدة مدن اوروبية مشيت في شوارعها من قبل، مدن تتناغم فيها انماط مختلفة من المباني والاشكال المعمارية المختلفة. الجامع بالقرب من الكاتدرائية، والمترو في الجانب المقابل للشارع قريبة من الارصفة حيث يعبر المارة
على بعد خطوات قليلة، تقع المدينة العتيقة بأزقتها القديمة وسوقها الشعبي الذي يشبه إلي حد كبير حي خان الخليلي في القاهرة مع اختلاف الصناعات التقليدية التي يتفرد بها كلا البلدين . وقد لفت نظري وأنا أطوف بداخل هذه الازقة الضيقة المتعرجة واجهات المباني والشرفات المطلة على الشارع، أعمدة الكهرباء القديمة ولافتات كُتب عليه اسماء الاسواق التي تمر بها .. سوق السرايرية .. سوق القوافي .. الخ حتى تصل لمقهى الزيتونة في منتصف الزقاق والذي توقفت فيه لتناول الكسكسي، اشهر أكلة تونسية يتم اعدادها في المغرب العربي بطرق مختلفة
زحام من البشر ودكاكين متراصة تحفل بشتى انواع الحرف والصناعات اليدوية التقليدية، العطور والبهارات وحتى الحلويات تتوافر في هذا السوق. أثناء تجولي وحديثي مع بعض الباعة تعرفت على الحاج محمد الطيب صاحب محل للحلويات التونسية والذي عرفني على أشهر الحلويات التونسية كالمقروض والبقلاوة وكعك الورق وعجين اللوز. إلي جانب الحاج محمد تعمل سلمى، فتاة تونسية في مقتبل العمر طلبت مني حينما كنت اصورها وهي تهم بإعداد الحلوى ان لاأظهر وجهها وان أكتفي بتصوير يديها وهي تفرد العجين . الحاج محمد أخبرني عن بعض ذكرياته في البحرين حينما حضر للمشاركة في مهرجان أُقيم في حديقة الاندلس وقد ذُهلت لذاكرته القوية في تذكر اسماء بعض الشخصيات المعروفة والمناطق التي لازال يحفظها رغم مرور زمن طويل على تلك الزيارة
واصلت السير في ازقة المدينة العتيقة حتى وصلت لجامع الزيتونة والذي يسمح للزوار من جميع الديانات والطوائف بدخول الجامع وإلتقاط الصور على ان لايكون ذلك خلال اوقات الصلاة. لا أحد يستطيع ان يؤكد سبب تسمية الجامع بهذا الاسم ولكن الروايات تُرجح انه سُمي كذلك نسبة لشجرة زيتون وجدها الفاتحون في مكان الجامع فأطلقوا على الجامع الذي بنوه هذا الاسم. في المدينة القديمة تشعر إن كل ما حولك يمتد لعصور وتاريخ ضارب في القدم .. البيوت .. الابواب .. الشرفات .. مآذن المساجد .. حكايات تود لو انك تعرف عنها وعن تاريخها المزيد
الاستعمار اللغوي الفرنسي
رغم ان اللغة العربية هي اللغة الرسمية للجمهورية التونسية الا ان اللهجة التونسية خليط من العربية والفرنسية. هناك حالة إغتراب بين الشعب التونسي وبين لغته، الاستعمار اللغوي الفرنسي كما اسماه الدكتور محمود الذوادي بدا مهيمناً في جميع فئات المجتمع التونسي وان كان بدرجات متفاوتة وحاضرا بقوة في جميع انواع الثقافة والفنون. شعرت بذلك أكثر حينما حضرت مسرحية الممثل الملك لير في المسرح البلدي الذي ذكرني بفخامة تصميمه ومقصورته الرائعة بالافلام العربية القديمة ولكن تعذر على فهم معظم الحوارات التي دارت بين الممثلين لانها كانت مزيج من اللغة الفرنسية واللهجة التونسية العامية وان كنت قد فهمت فكرة المسرحية من خلال السياق العام للاحداث. جميع اللوحات والرقصات والملابس وديكور المسرح بدت لي فرنسية صرفة اما بطل المسرحية الممثل التونسي هشام رستم فقد ذكرني بالممثل الفرنسي المغربي الاصل جين رينو من حيث الشكل والملامح
قرطاج وسيدي بوسعيد
في قرطاج يمكنك ان ترى أجمل وأرقى المدن والضواحي التونسية كقمرت والمرسى المعروفة بشاطئها الممتد وكورنيشها الذي يستقطب العديد من الفنادق والملاهي والمقاهي. في طريقنا لفندق بارسيلو في قرطاج لحضور المؤتمر الوطني بمناسبة اليوم التونسي للايدز مررنا بالعديد من الاماكن والمعالم التاريخية كقصر قرطاج وجامع العابدين وخزانات المياه التي بناها الرومان. تمنيت ان ازور متحف باردو مع بقية المشاركين في الاجتماع ولكن كان على اللحاق بالطائرة للعودة للبحرين
من أجمل المناطق التي زرتها في قرطاج هي قرية سيدي بوسعيد وهي قريبة الشبه ببعض الاحياء في اسبانيا واليونان، مصيف يعج بالمنازل البيضاء التي تزينها الابواب والشرفات ذات اللون الازرق وتنتشر فيها اعداد كبيرة من المقاهي والمطاعم المطلة على البحر أشهرها القهوة العالية بمدرجاتها المطلة على السوق. في سيدي بوسعيد أعتراني شعور غامر بالفرح فهذه أول مرة أرى فيها مصيفاً بهذه الروعة، تخليت عن حذائي رغم برودة الطقس ومشيت حافية القدمين بين البيوت المعلقة عند هضبة صغيرة حتى وصلت لأعلى الربوة التي تطل على خليج تونس حيث ترسو اعداد هائلة من اليخوت والمراكب
تونس .. حقوق المرأة تزدهر وحرية الرأي تتراجع
الشعب التونسي شعب مثقف ومضياف جداً ويستقبلك بحفاوة وبإبتسامة لاتغيب عنها كلمات مثل برشة .. مرحبا بيك .. يعيشك والتي يتداولها التونسيون بكثرة، والمرأة التونسية تحظى بالكثير من الحقوق والمكتسبات التي لاتحظى بها اي امرأة عربية أخرى على مستوى الوطن العربي والتي تهدف إلى إزالة كل اشكال التمييز ضد المرأة
المعلومة التي أذهلتني بالفعل ولم أكن اعرفها من قبل عن تونس انها تحظر تعدد الزوجات منذ عام ١٩٥٧ بموجب قانون الاحوال الشخصية او ما يطلق عليه التونسيون مجلة الاحوال الشخصية ولكن المفارقة في الوقت ذاته ان تونس أحتلت المرتبة الأولي عربياً والرابعة عالمياً في نسبة الطلاق وذلك طبقاً لدراسة أجريت حديثاً ورفضتها وزارة العدل التونسية
هناك جدل يدور الآن في تونس حول دعوة لإعادة إجازة تعدد الزوجات كحل إسلامي للمشاكل الاجتماعية مثل العلاقات خارج نطاق الزواجه والعنوسة الا ان بعض النساء يرفضنها خوفاً من تراجع مكتسباتهن الاجتماعية كما ان بعضهن استشهد بازدياد حالات الطلاق في منطقة الخليج العربي كدليل على عدم جدوى إجازة تعدد الزوجات كحل للمشكلات الاجتماعية التي أنتشرت حديثاً في تونس
كان هذا الجانب المضئ من حقوق الانسان في تونس اما الجانب المظلم فقد تعرفت عليه خلال حضوري للملتقى الثاني للمدونين العرب في بيروت اذ تطرق بعض المدونون لقضية تعثر حرية الرأي والتعبير والصحافة في تونس ومواجهتها لعراقيل عدة ابرزها التدخل الحكومي وتعرض بعض نشطاء حقوق الانسان والمدونين والصحفيين للاعتقال او الملاحقة الأمنية بين الحين والآخر بسبب الاعلان عن آرائهم او ادلاءهم بتصريحات او معلومات لوسائل الإعلام المختلفة
لماذا؟
أنتهت رحلتي القصيرة لتونس ولكن الاسئلة التي ظلت تراودني هي: لماذا لم أكن أعرف أو اسمع عن تونس كما أعرف مصر وسوريا ولبنان؟ لماذا تعيش معظم دول شمال افريقيا بمعزل عن العالم العربي؟ لماذا تبدو المسافة بيننا وبينهم كبيرة وشاسعة كما لو أنهم ليسوا جزءاً من وطننا العربي الكبير؟
هذه هي المرة الاولى التي اتغيب فيها عن المدونة لفترة طويلة وحينما قررت العودة لاحظت ان فضاء التدوين البحريني يشهد هو الآخر جمودا غريباً هذه الايام اذ هجر معظم المدونين مدوناتهم لشهور طويلة. البعض عزا السبب لتوجه المدونين للتدوين المصغر على الشبكات الاجتماعية الآخرى مثل تويتر والفيس بوك لانها أسهل وأسرع ولاتتطلب الكثير من الجهد كالمدونات بصورتها التقليدية والبعض الآخر قال بأن المدونين فقدوا اهتمامهم بالتدوين بسبب حالة الاحباط العامة التي تسود اجواء التدوين البحريني
كغيري من المدونين اتجهت في الفترة الاخيرة للفيس بوك وتويتر ولكنهما لم يعوضا احساسي بالحنين للمدونة وبتواصلي مع زوارها عبر التعليقات والبريد الالكتروني. كنت ولازلت مقتنعة بأن التدوين المصغر لايمكن ان يقضى على المدونات او يحل محلها في يوم من الايام. عموماً سأرجأ الكتابة حول موضوع التدوين التقليدي والتدوين المصغر إلى وقت آخر وسأركز في هذه التدوينة والتدوينات القادمة بإذن الله علي ورش العمل والاجتماعات التي شاركت فيها مؤخراً
الإجتماع الأول كان في تونس في الفترة ١-٣ ديسمبر ٢٠٠٩ نظمه البرنامج الإقليمي للأيدز في الدول العربية (هارباس) وكان اجتماعاً استشارياً بالدرجة الأولى ضم نخبة من المدونين والباحثين واساتذة الجامعة والمحاميين وعلماء الدين والاستشاريين في مجال حقوق الانسان من مختلف الاقطار العربية للمشاركة في إعداد دليل تدريبي حول حقوق النساء في مواجهة تحدي الايدز والوصول إلى خطة عمل لنشر وتوزيع هذا الدليل في مختلف الدول العربية
وكما عودتكم فأستسهل هذه السلسلة من التدوينات بتدوينة تعريفية عن البلدان التي استضافت هذه الفعاليات إيمانا مني بأني ومن خلال هذه التدوينات أقدم خدمة بسيطة لزائر المدونة لتكوين فكرة أولية عن مدن ربما سمع عنها ولم يزرها وذلك من خلال تسجيل انطباعاتي الشخصية والمواقف التي مررت بها اثناء أقامتي فيها وهي كما ذكرت أقرب لوجهة النظر الشخصية منها إلي تقديم معلومات سياحية .. فأنتظروني