كنت أتحسس الفجر على وقع أقدامه عائدا من الصلاة .. صوت الباب الخارجي.. إنطفاء المصابيح .. مساحة من الصمت تنكسر مع انطلاق أصوات عصافير احتجزها الظلام.
منذ أن رحل أصبح الفجر كالبيت المهجور.. أبواب صامته .. مصابيح مهملة .. سجادة يتيمة .. وجلباب معلق ينتظر عودة صاحبه.
لحظة
أحمل هذه اللحظة إلى قلبك
فعندما ستغادرك
ستظل تبحث عنها طويلا
كما لو أنها تختفي
مع مئات المصابيح والعيون
-الرومي-
لحظات كثيرة تستحق أن نقبض عليها بقلوبنا بقوة .. ان ندخرها ليوم لا عيون له ولا مصابيح تضاء فيه.
عن الانتظار
بقى مستيقظا يهدهد القمر حتى الصباح .. أندس في سريري .. توسد أغطيتي .. أوراقي .. متوغلا في كل مساحات الوحدة والفراغ.
بداخلي
مدينة من النساء وخيال طفلة تجر خلفها دمية لا أستطيع اللحاق بها.
عزلة
الساعة الرابعة صباحا .. هدوء يستحث الكتابة .. مساحة من العزلة أرنو اليها كلما فقدت شهيتي للكلام.
أعتذر
عن اهدار دماءك
عن أوهام أغرقت فيها محيطاتك
عن نزلاء أسكنتهم خيالاتك
عن تحايلى على نبضاتك

منذ ايام والشتاء يطرق بابي متلعثما .. لازالت الاشجار تحتضن اوراقها بشغف ولازالت الغيوم تتسلل خفية إلى السماء قبل ان ترحل في صمت.
لطالما كنت أعشق زرقة السماء الصافية وأمقت الشعور الكئيب الذي تخلفه الغيمات بعد رحيلها .. لطالما كنت أترقب عودة الصيف ورائحة البحر، طقوس فصل يشبهني أو هكذا كنت أتوهم حتى اعتراني حنين مفاجئ إلى زيارة غيمة عابرة .. إلى أوراق الخريف الحمراء .. إلى العراء الذي ترتدي بدائيته ثوب الفتنة والسحر.
لماذا أختار تشرين الثاني هذا الوقت من العام ليتآمر علىّ؟ ليشّن إنقلابه على ولائي الصيفي؟ هل ارادني أن اصدق خرافات المنجمين بأننا نشبه الفصول التي نُولد فيها؟ أم أنه هو الآخر ضاق ذرعا بتأخر الفصول وترددها؟
هل اراد ان يريحني من عناء الانتظار؟ ان يريني ما كنت أفتقد حينما كنت أهيم بالصيف؟ ولماذا لم يتوقف عند هذا الحد؟ هل علىّ ان أمقت الشمس حتى أعشق الغيوم؟ ان أحنق على الاشجار التي رفضت ان تلفظ أوراق تحتضر حتى لا تستر الأرض وتُعرّى نفسها؟ كنت قد صدقت ان الشموخ هو ما يجعل الاشجار لا تموت الا وهي واقفة.
تباً للصيف والشتاء والخريف.
متى يحل الربيع؟؟

طائر سنونو وحيد، يقتات على الحلم ويهاجر إلى الوحدة. لم يكن حبيس القفص بل حبيس دفء تبحث عنه، مرفأ وطن يتسع لسفنها .. لأشرعتها المتعبة .. ربما نَسيّت ان السنونو لا يصنع الربيع.
يبعثرها صمته المطبق، الانتظارالذي يربض في عينيه، الحزن الجاثم على الباب. لماذا يرفض هذا السنونو الغناء .. تحريك جناحيه! تساءلت.
شرعت أبواب نافذة الغرفة .. امتدت يديها لتفتح باب القفص .. ربما تتمكن من اللحاق بأسراب السنونو قبل ان ترحل، ربما تألف البحر وإذا عدت سنلتقي هنا عند هذه النافذة.
مازال السنونو في ركنه القصى من القفص يرفض الرحيل محتفظاً بصمته وجناحيه الساكنين بلا حراك. كان طائر من ورق .. صنعته .. قصت جناحيه وصدقت انه طائر سنونو.
كانت الدقائق تزحف متثاقلة ببطء كما لو انّ العالم قد توقّف بالخارج .. أصوات واطياف كما الضباب تتداخل متهادية تحت نور خافت .. برودة تجتاح اوصالي فتتجمد كما لو كانت قالب ثلج ..فقدت لساعات الاحساس بنصفي السفلي .. بالقدرة على التمييز بين أصواتهم.. بدا كل شئ باردا مظلما من حولي سوى من ذلك الضوء الخافت المنبثق من سقف الغرفة. تذكرت كلماتها الأخيرة وهي تضغط على يدي برفق .. لا تقلقي .. تذكري انه وحده من سيكون معك حينما تتوارى وجوه واصوات الجميع .. لن يستطيع القابعون خلف أو أمام هذا الباب من شئ الا بمشيئته.
أخذت أسترجع كلماتها بين الحين والآخر وانا أحدق بمصدر الضوء دون ان احاول التفكير بما قد يحل بهذا الجسد المسجي على سرير غرفة العمليات وكأن عقلي ليس جزء منه. شئ ما كان يسائلني عن سبب استحضار ذاكرتي لكلمات هذه المرأة الغريبة التي لا يربط بيني وبينها أرض أو دين أو دم.
طوال الايام التي تلت حديثي معها والتي قضيتها ممددة على فراش المرض كنت أنتقل فيها بين أثينا بطلة قصة ساحرة بورتبيللو التي عاشت كل الادوار متنقلة بين المشرق والمغرب وبين جهازالتلفاز الذي كنت أقلب قنواته الواحدة تلو الأخرى .. إعصار بنجلادش .. جثث الضحايا ..تمرد الطبيعة .. عمليات الاجلاء.
ثم الجانب الآخر من العالم .. أحتفالات .. مسابقات للجمال وعروض الازياء البراقة ومنصات تتنتظر التتويج. ترى ما هي نسبة الجمال مقارنة بالقبح والخراب الذي أمتد الى معظم انحاء العالم؟
أنتقل الى قنوات أخرى .. انتخابات .. مباحثات نووية .. ورجل دين يتهدد ويتوعد بإبتلاء من عند الله .. جنود الله المجندة التي لا تخطأ من عصى واستمرأ العصيان.
ما أظلم الانسان، ما أظلمه حينما يربط بين صنيعه وما آل إليه هذا الصنيع من حال وبين قدرة المولى عز وجل على القصاص، لماذا نتوقع منه اللطف والرحمة حينما نكون بأمس الحاجة اليهما وننسب اليه الشر حينما يصلنا منا إلينا؟
لماذا لا نتذكر لحظات استيقاظ الشر فينا .. القتل والحروب والدمار .. التلوث والاعاصير والكوارث التي هيمنت على العالم حينما هيمن منطق القوة والسيطرة.
كل يوم تنحسر فرص الحياة لا بسبب الكوارث ولا انتقام الإله كما يزعمون ولكن بسبب إنحسار التسامح والتراحم بين بنو البشر، الانانية وصراع العقائد.. الشعوب التي تنظر الى نفسها على انها شعوب الله المختارة ، حضارات وثقافات ومعتقدات الآخرين التى نحقر من شأنها بسبب تحيزنا لبني جلدتنا.
نافذة الحياة كبيرة وتتسع للجميع ولكننا أخترنا الصراع حينما نسينا أن الايمان المغروس بقلوبنا قادر على امتلاك ما هو أبعد مما تستطيع رؤيته احداقنا وعقولنا.

Image from http://dustysunrays.blogspot.com/
لم يكن العالم يحتفل بعيد آخر كعيد القديسين
لم تندلع ثورة عظيمة كالثورة الجزائرية
ولم يرحل رجال أول نوفمبر قهراً لأبدأ الكتابة الى أحدهم كما فعلت أحلام مستغانمي
يوم مولدي كان ولادة لرزنامة آخرى بدأت أوراقها تتهاوى مع تهاوى اوراق خريفية ملتّها الاشجار
ولكني رغم ذلك وُلدت وكبرت
كنت اسألهم عن الحيرة فكانوا يجيبون .. يوما ما ستفهمين
عن السقوط فيقولون يوما ما ستنسين
عن الغياب فيخبرونني انهم حتما عائدين
كبرت
ولكني لم أفهم
ولم أنس
ولم يعود الراحلين
بدأت التفاصيل الصغيرة في التلاشي من ألبوم الذاكرة
ولم يعد مهما بالنسبة لي ان كنت أقف أسفل السلم أم كنت أنتظر على آخره
فبعض الاشياء تقل قيمتها وأهميتها بمرور الوقت
الا الاسئلة التي لاتجد اجابات
و صورة بالية لطفلة لم تعد تشبه من أرى في مرآتي