مثلما أظن ان البعض قد لايأخذ نظرية البيوسنترزيم للدكتور روبرت لانزا على محمل الجد، أتصور ان البعض لم يؤمن كثيراً بتنبؤات جورج أرويل للعالم حينما طرح روايته “١٩٨٤” في نهاية الاربعينيات. بل أتخيل ان بعضهم أتهمه حينها بالخيال المفرط في التشاؤم
قرأت رواية أرويل عدة مرات وفي كل مرة كنت اسأل نفسي السؤال ذاته: ماذا كان سيكتب جورج آرويل في الجزء الثاني من ١٩٨٤ لو أنه مازال على قيد الحياة وماذا سيكون عنوان روايته الجديدة؟
لرومنطيقيون، الحالمون ومن يعبرون عن احزانهم الداخلية ليسوا متشائمين ولا سوداويين كما يعتقد البعض ولكن ثمة ثلاثة أشياء يمكن أن تستعمر الروح بعد رحيل أو فقدان الاحباب، الحنين المفرط .. الندم واللاطمأنينة
كل شوق يسكن باللقاء، لا يعول عليه
كل مشهد لا يريك الكثرة في العين الواحدة ، لا يعول عليه
المكان اذا لم يؤنث، لا يعول عليه
كل حال يشهدك الماضي والمستأنف، لا يعول عليه
كل حب يعرف سببه فيكون من الاسباب التي تنقطع لا يعول عليه
في عيد ميلاد الرئيس المصري .. اهازيج ورقص ومظاهرات
وصلنا إلى القاهرة في اليوم الذي يسبق موعد ورشة العمل والذي يتزامن مع احتفال الرئيس المصري بعيد ميلاده الثمانين.كنا متعبين بعض الشئ من الرحلة فقررنا انا وزميلي حسين ان نخرج لتفقد ميدان الرماية والمنطقة المحيطة بالفندق سيرا على الاقدام.في المساء كان هناك إحتفال صغير نظمه بعض الاهالي وسط الميدان الذي كانت تزينه بعض اللافتات المهنئة بعيد ميلاد الرئيس، لحظات من الغناء والرقص وعزف المزامير والاهازيج كان يسجلها البعض بهواتفهم النقالة.أمضينا ليلة جميلة بصحبة الاهالي والاغاني المصرية الشعبية قبل ان نعود للفندق لنخلد للنوم استعدادا لأول يوم في ورشة العمل.
في اليوم الذي يليه تحدث بعض المدونين المصريين الذين حضروا الورشة عن رفع الرواتب في مصر بنسبة 30% وتزامنه مع ارتفاع سعر البنزين بنسبة 35% .كان هناك حالة استياء عامة بين المصريين للغلاء وارتفاع اسعار السلع الاستهلاكية شاهدنا بعض مظاهره اثناء تواجدنا يوم الخميس الماضي بالقرب من نقابة الصحفيين المصريين التي نظمت مظاهرة أمام مقر النقابة ورفعت لافتات منددة بموجة الغلاء التي تشهدها مصر والارتفاع الجنوني في الأسعار.
ولست اعلم إن كان هذا هو السبب في تواجد سيارات محملة بالضباط وقوات مكافحة الشغب لا يفصل عن بعضها البعض سوى امتار قليلة.هذه السيارات كانت تتواجد على مدار الساعة في وضع متأهب بالقرب من الميادين العامة والمواقع الحيوية. كما كان هناك تشدد بشكل عام في الاجراءات الامنية من قبل الفنادق الكبيرة ذات الخمسة نجوم حتى ان بعضها أستخدم الكلاب البوليسية المدربة للتفتيش الأمني لمرتادي هذه الفنادق.
هوس الهواتف النقالة يجتاح القاهرة
أكثر ما لفت نظري منذ وصولي للقاهرة هو اكتساح الهواتف الخليوية لحياة المواطن المصري اليومية وإعلانات شركات الهواتف التي تطاردك في السيارة والتلفزيون ولافتات الشوارع وحتى جدران وأسطح بعض البنايات.وبنظرة متفحصة للمارة في شوارع القاهرة تجد ان الجميع يحملون الهواتف النقالة ويديرون ظهورهم لبعضهم الآخر اثناء انشغالهم بمكالمات الهاتف الخليوي.هوس الهواتف النقالة لم يقتصر على مصر فقط فطبقا لدراسة أعدها مركز البحوث التجارية والاقتصادية بجامعة القاهرة تعد الدول العربية من أكثر دول العالم ارتفاعاً في معدلات نمو الهاتف المحمول اذ ان استخدام الهواتف النقالة أصبح يلتهم 40% من دخل الكثير من الأسر العربية خاصة في مصر ودول مجلس التعاون الخليجي.
في خان الخليلي .. خليت لي ايه ما تقول يا زمان؟
أجمل ما في حارة خان الخليلي هو متاجر الفوانيس الملونة وقهوة الفيشاوي التي تمتلأ عن آخرها منذ الظهيرة بالسواح الاوروبيين، الشاي الكشري والسحلب واغاني سيد درويش وسيد مكاوي وام كلثوم وعبدالغني السيد وهو يشدو ماتقول يازمان والذي أستمعت لأغنياته لأول مرة في هذه الزيارة في أحد متاجر خان الخليلي.
بالقرب من قهوة الفيشاوي يقع محل ابو حمزة الشهير بتسجيلاته القديمة من الاغاني المصرية التي يعود بعضها للأربعينيات والخمسينيات. وفي زاوية مجاورة يجلس كل يوم العم ابراهيم الذي يعرفه معظم العاملين في خان الخليلي على مقعده الاسود جلسة القرفصاء يدخن في صمت بينما يراقب حركة المارة.طلبت منه ان أصوره فهز رأسه موافقا دون ان ينبس بكلمة، لاحظت حينما كنت أهم بتصويره أنه لم يكن يبالي أو يكترث كثيرا بالنظر إلى عدسة الكاميرا فقد شرد ببصره وتفكيره الى البعيد فتساءلت بيني وبين نفسي: ترى إلى اين أخذتك الافكار يا عم إبراهيم؟؟
شدتني الكثير من المشاهد والمواقف الانسانية التي تعكس طيبة وبساطة الشعب المصري رغم صعوبة العيش والغلاء.أطفال وكهول يعملون ليل نهار لإعانة عائلاتهم على لقمة العيش وفي مهن قد لا تتناسب أحيانا مع أعمارهم.
ألتقيت ببعضهم اثناء تجوالي في حارة خانة الخليلي، كان أحدهم ذلك الكهل الذي يعزف على آلة الفلوت الخشبية بينما يتأبط كيس كبير من القماش ملئ بالفلوت الخشبي يبيعه بسعر زهيد للسياح. دسست بعض الجنيهات خلسة في جيب ثوبه الامامي الا انه رمقني بنظرة غضب واستياء وأصر على ان آخذ منه شيئا مقابل النقود التي منحتها اياه فأضطررت الى شراء الفلوت الخشبي وحملته معي كتذكار من الرحلة.
اما الطفلتان سلمى وشادية فقد كانتا تعرضان مناديل الرأس المزركشة التي تتدلى منها حبات الخرز اللامعة بمهارة تنافس أمهر الباعة المتجولين. كانت سلمى تحاول اقناع حسين بشراء أكبر عدد من مناديل الرأس التي لم يكن بحاجة اليها، تارة بمحاولة معرفة عدد بناته عن طريقي وتارة أخرى بالتلويح باعطاء (دسكاونت).وحينما فشلت في إقناعه بشتى الطرق طبعت قبله سريعة على خده يبدو انها أيقظت في حسين الحس الأبوي فرفع الراية البيضاء وخضع لجميع مطالبها باستسلام تام.
في حين استرسلت شادية في الحديث بحسرة عن صعوبة البيع وعن المناديل التي فقدتها اثناء نومها على كرسي في خان الخليلي.سألتها عن أسم شقيقاتها فأخبرتني ان لها شقيقة واحدة تدعى شادية، قلت لها كيف يكون ذلك، انتِ وشقيقتك تحملان الاسم ذاته؟ فابتسمت وهي تقول: “هي شادية الحقيقية بس انا اسم الدلع شادية!” فقلت: طيب وأنتِ اسمك الحقيقي ايه؟ فردت بشقاوة وذكاء: “شوشو”!