
كانت هذه أكثر جملة اختزلتها ذاكرتي بعد قراءة تدوينتها الاخيرة والتي تطلب فيها مساعدتها مادياً لجمع قيمة تذاكر عودتها وعودة ابناءها للولايات المتحدة الامريكية ولكنه قلب الام يثبت المرة تلو المرة أنه قادر علي بذل اصعب التضحيات في سبيل الابناء
أول مقال قرأته في مدونتها كان مقال تهكمياً ينتقد بعض سلوكيات المجتمع البحريني، وحينما كررت زيارتي لمدونتها شعرت بإن شيئا ما يقضي مضجع هذه المرأة فهي لاتفتأ في التذمر والشكوى حتى انني همست حينها في اذن أحدى الزميلات المدونات ممن يتابعن مدونتها قائلة: مابال هذه المرأة ناقمة على نفسها وعلى الدنيا؟ اذا كانت الحياة في البحرين لاتعجبها فلماذا لاتغادر لموطنها؟
لم أكن اعرف حينها قصتها ولكن مقالاتها حول عادات وتقاليد العرب والمسلمين وانتقادها المتكرر للاحكام التي تصدر بحق مغتصبي ومنتهكي عرض الاطفال في البحرين جعلتني اتيقن ان وراء هذه المرأة قصة. ولم يخني ظني فبعد اسابيع قليلة عرفت قصتها فهذه المرأة التي تزوجت صغيرة في السن من مواطن بحريني وقضت أكثر من عشرين عاما في البحرين وأنجبت خمسة ابناء من الزوج الذي يدعى الالتزام والتدين أفاقت فجأة من حياتها التي لم تكن حلما جميلا على الاطلاق لتكتشف ان زوجها ينتهك عرض بناته .. أكبر صدمة يمكن ان تتعرض لها اي أم في حياتها، اما الصدمة التالية فكانت في تعامل المحاكم البحرينية مع قضيتها
هذه المرأة التي عاشت أكثر من نصف عمرها على هذه الارض وحق لها الحصول علي الجنسية البحرينية عن طريق الزواج من مواطن تعرف ربما أكثر مما يعرفه اي منا عن القانون والقضاء البحريني، القضاء الذي حسب ما ذكرت في احد تدويناتها يكافئ مغتصب طفل الخامسة بتخفيف عقوبته من الحبس خمسة أعوام لعام واحد، تعرف ان مجتمعنا الذي يدعى التدّين والتحفظ مجتمع هش من الداخل، مدّع ومنافق وكثيرا ما يتشدق بما لايفعل، تعرف ان ثلاثة ارباع المسلمين يعرفون انهم مسلمون ولكنهم لايعرفون شيئا عن دينهم
وكما هو الحال مع معظم المطلقات في البحرين اللاتي يجدن انفسهن مضطرات لتسول النفقة الشهرية -التي يمتنع الزوج رغم حكم المحكمة عن اداءها او دفعها بالكامل – بحثت ولفترة طويلة عن عمل، اي مصدر رزق آخر يحفظ لها ماء الوجه ويقيها ويقي ابناءها شر العوز والمذلة ولكنها لم تنجح، والآن وبعد ان تراكمت الديون والاعباء والمصاريف لم تجد مخرجاً غير اللجوء لطلب المعونة عن طريق مدونتها للحصول علي ما يمكنّها من مغادرة البحرين للعيش في الولايات المتحدة الامريكية ولم شمل عائلتها المشتتة بين البلدين
الأخ الصحفي والمدون محمد العثمان ناشد اليوم الحكومة البحرينية ومن خلال عموده “وجهاً لوجه” في صحيفة البلاد توفير مسكن لائق لها ولابناءها ليحميهم حسب قوله من الضياع ويحمي القرآن في صدر ابنها الاكبر الذي تخطى الثانوية العامة بتفوق ويحمي عرض وشرف هذه الأسرة وبناتها. وأضاف إن تلك البلدة التي يعتزمون الرحيل إليها غالبية سكانها من العنصريين المتعصبين ضد العرب والمسلمين ولن يسمحوا لبنات هذه الأسرة بلبس الحجاب، أو يكونوا محط ازدراء بالنسبة لأهالي البلدة. الابن لن تكون حاله أفضل إن قرر القيام بفروضه الدينية
ورغم انني أثني كثيرا على هذه الخطوة الجميلة التي قام بها الاخ محمد العثمان للفت انظار الرأي العام لقضيتها الا انني أعتب عليه فقط الاعذار التي ساقها لمناشدة الحكومة لمساعدتها، فهذه المرأة قد أصبحت مواطنة بحرينية يحق لها مايحق لأي امرأة بحرينية في عيش حياة كريمة مع ابناءها لابسبب حفظ ابنها للقرآن ولالحماية عرض وشرف بناتها الذي للأسف آُنتهك هنا وعلى يد والدهم البحريني وليس في الولايات المتحدة الامريكية. يحق لهذه المرأة ان تعيش بكرامة بعد ان لحق مالحق بها وبابنائها من أذى نفسي ومعنوي قبل اي شئ آخر وصدقني المواطنين الامريكيين لن يكونوا أكثر ازدراء وظلما لهم من مجتمعنا البحريني الذي لايرحم أحداً. أقول هذا لا لأشجعها على المضي قدماً في قرارها ولكن لأطلب منك ومن الحكومة البحرينية والمجتمع البحريني انصافها لأنها امرأة عانت هي وابناءها من الظلم ومن قوانين مجحفة لم ترحمها ولم توفر لها ادنى حد من العدالة


قلما أحب كاتب ما وأحب كتاباته في آن واحد ولكن هناك اسباب كثيرة تجعلني أحب شخصية الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي وأظن أنني سأحبها أكثر في الايام القادمة ولاتسألوني عن الاسباب
أحلام اطلقت في يوليو الماضي كتابها الجديد “نسيان كوم” وقد بدا الاسم غريبا بالنسبة لي فظننت في البداية ان عنوان الكتاب هو نيسان كوم نسبة لشهر نيسان ولكنني أدركت فيما بعد ان العنوان هو نسيان كوم لسببين الاول هو ان موضوع الكتاب عن النسيان وكلمة “كوم” كانت اضافة ذكية من الكاتبة لتصبح الكلمة النهائية نسيانكم وكأنها تتحدث بلسان جميع النساء اللاتي ينشدن نسيان قصص الحب الموجعة، اما السبب الآخر فهو ان الكاتبة قد دشنت موقعا الكترونيا بنفس الاسم يتضمن ميثاق شرف انثوي اشارت اليه في نهاية كتابها وطلبت من من قارئاتها ان يوقعن عليه وان يتعهدن بالتالي
دخول الحب وهن على ثقة تامة بأنه ما من وجود لحب ابدي
إكتساب حصانة الصدمة وتوقع كل شئ من الحبيب
عدم البكاء بسبب رجل، فلا رجل يستحق دموعها ومن يستحقها لم يكن ليرضى ان يبكيها
ان تحب كما لم تحب امرأة وان تكون جاهزة للنسيان كما ينسى الرجال
ميثاق شرف أشك ان اي امرأة قادرة على الالتزام ببند من بنوده فأحلام نفسها تعترف ان المشكل الحقيقي سيكون في صعوبة حكم ملايين النساء الحمقاوات اللائي لايمتثلن للتعليمات، ولايعرفن ماذا يردن بالضبط من الحياة. هن منخرطات في حزب النسيان وعينهنّ على الرجال. يقلن لا ويضمرن نعم. ومع ذلك فإن الكاتبة وحسب ما ذكرت في كتابها تطمح لجمع أربعين ألف توقيع نسائي بعدد نسخ الطبعة الاولى من الكتاب وتستدرك .. “الا اذا قام الرجال بشراء نصف الكمية من النسخ عن فضول او لمصادرة حقنا في النسيان” .. ولم لا؟ فعلى غلاف الكتاب كُتب باللون الاحمر ووسط دائرة حمراء “يحظر بيعه للرجال” عبارة كفيلة بفتح شهية وفضول اي رجل لإكتشاف فصول الغباء في حياة النساء
تقول أحلام في مقابلة أجرتها معها وكالة فرانس برس ان فكرة الكتاب انطلقت من صديقة لها تعيش قصة فراق موجعة، كان الرجل الذي تحبه يتصل بها يوميا عند التاسعة صباحا وبأنها ظلت حتى بعد ان افترقا تستيقظ يوميا في الوقت نفسه. وحتى تخرج هذا الشهريار من رأسها راحت أحلام تتصل بها يوميا في الساعة نفسها لتروي لها كل يوم قصة كما كانت تفعل شهرزاد مع فارق انها ترويها لها نهارا
الكتاب ليس رواية ولايمكن تصنيفه ايضا ضمن كتب المساعدة الذاتية التي تلقى رواجاً كبيراً في الغرب لافتقاره للتحليل وللمعايير العلمية الاساسية وأحلام لاتنكر ذلك وتصنف كتابها ضمن الكتب التي تتضمن الكثير من النصائح الطريفة للمرأة وبأنها قد كتبت هذا الكتاب وهي تضحك .. هل هناك اعتراف أجمل من هذا؟
الكتاب يتضمن ايضا عشر قصص ادرجتها احلام في فصل أخير تحت عنوان “من قصص النساء الغبيّات” كان أجملها القصة العاشرة والاخيرة، كما أرفقت بالكتاب اسطوانة مدمجة جمعت فيها بعض قصائدها بصوت الفنانة اللبنانية جاهدة وهبة تحت عنوان “ايها النسيان .. هبني قبلتك”. وبغض النظر عن رأيي الشخصي في صوت الفنانة جاهدة وهبة الا انني ارى ان الفكرة في حد ذاتها مبتكرة وذكية وأتوقع ان يقوم كتّاب عرب آخرون بتقليدها فيما بعد
أعرف ان البعض – أكثر هؤلاء “البعض” من الرجال – لايستسيغون ادب ولاكتابات أحلام مستغانمي ولكنني وكما صرحت من قبل ودون ادنى شعور بالخجل او بالانتقاص من وزن ثقافتي او ثقافة من اقرأ لهم ان الجمل العميقة واللافتة بين السطور كثيراً ما تجتذبني لأي عمل ادبي اقرأه وبأنها قد تكون خلاصة العمل كله، وهاهي أحلام تؤكد ذلك من خلال وصفها لثقافتها بثقافة الجمل الجميلة وبأنها قد تصنع كتابا من جملة قد تأخذها من سائق تاكسي لان هذه هي فلسفة الحياة بالنسبة لها، ولانها فلسفة الحياة ايضا بالنسبة لي فقد أخترت لكم بعض هذه الجمل الجميلة من كتابها
أشياء تطاردها
وأخرى تُمسك بتلابيب ذاكرتك
أشياء تُلقي عليك السلام
وأخرى تُدير لك ظهرها
أشياء تودّ لو قتلتها
لكنّك كلّما صادفتها
أردتك قتيلً
الكل يخفي خلف قناعه جرحاً ما، خيبة ما، طعنة ما
ينتظر أن يطمئن إليك ليرفع قناعه و يعترف
ما استطعت ان انسى
أول قرار: إغلاقك كل قاعات الترانزيت في حياتك
الالم يستيقظ متأخراً، انه يعيش طويلا بعد الذكريات الجميلة
النساء دائما ماتقلق على الاشياء التي ينساها الرجال والرجال دائما ما يقلقون على الاشياء التي تتذكرها النساء
امام هذه البذلات المعلقة التي هي في متناول جيبي وماعادت في متناول قلبي بكيت، فقد تأكد لي حينها موته. الميّت هو الذي ما عاد بإمكانك ان تعطيه شيئا، لكن مازال بإمكانه ان يعطيك ماشاء من الألم
عندما تلجأ إلى حب جديد لتنسى حباً كبيراً، توقع الا تجد حباً على مقاسك. سيكون موجعاً كحذاء جديد. تريده لأنه أنيق وربما ثمين . لأنه يتماشى مع بذلتك، لكنه لايتماشى مع قلبك ولن تعرف كيف تمشي به. ستقنع نفسك لمدة قصيرة او طويلة انك ان جاهدت قليلا بإمكانك انتعاله. ستدعي ان الجرح الذي يتركه على قدمك هو جرح سطحي يمكن معالجته بضمادة لاصقة. كل هذا صحيح لكنك غالبا ما لا تستطيع ان تمشي بهذا الحذاء مسافات طويلة. قدمك لاتريده، لقد أخذت على حذاء قديم مهترئ .. مشت به سنوات
الحب اصلا اذى، لانك لاتتناولينه بجرعات محدودة. تكثرين من الحبيب وتدمنينه فتتأذي به وتؤذيه لفرط حاجتك الدائمة والمتزايدة إليه ثم تتمردين عليه وتهجرينه فتمرضين به وتتسببين في مرضه وفي هذه الحالة فقط أغفر، عندما من يؤذيك حباً يفوقك عذابك به
يالله كم الفرح أناني وكم الحب لامبال! حين يجئ الحب بسعادته الخرافية تلك، تنسى الاخت اختها والصديقة صديقتها ويتنكر الاب لاولاده والاولاد لأمهم