مثلما أظن ان البعض قد لايأخذ نظرية البيوسنترزيم للدكتور روبرت لانزا على محمل الجد، أتصور ان البعض لم يؤمن كثيراً بتنبؤات جورج أرويل للعالم حينما طرح روايته “١٩٨٤” في نهاية الاربعينيات. بل أتخيل ان بعضهم أتهمه حينها بالخيال المفرط في التشاؤم
قرأت رواية أرويل عدة مرات وفي كل مرة كنت اسأل نفسي السؤال ذاته: ماذا كان سيكتب جورج آرويل في الجزء الثاني من ١٩٨٤ لو أنه مازال على قيد الحياة وماذا سيكون عنوان روايته الجديدة؟
لرومنطيقيون، الحالمون ومن يعبرون عن احزانهم الداخلية ليسوا متشائمين ولا سوداويين كما يعتقد البعض ولكن ثمة ثلاثة أشياء يمكن أن تستعمر الروح بعد رحيل أو فقدان الاحباب، الحنين المفرط .. الندم واللاطمأنينة
في العام الماضي وأثناء حضوري لورشة العمل التدريبية للمدونين والإعلاميين المستقلين العرب للتجاوب مع الإيدز ألتقيت بعائشة (أحدى المتعايشات مع فيروس الإيدز) والتي لمست من خلال حديثها حجم الاضرار النفسية التي لحقت بها جراء المعاملة القاسية التي لقيتها من المحيطين بها منذ بداية مشوارها مع مرض الإيدز، وبقدر ما تأثرت بقصة عائشة وألمها بقدر ماسررت هذا العام بنبرة التفاؤل والأمل التي شعرت بها في صوت رياض (متعايش آخر من تونس)، فهناك تطور ايجابي ملموس في التجاوب مع الإيدز والتفاعل مع هموم ومعاناة المتعايشين من خلال نشر قصصهم عبر وسائل الاعلام. هناك حملات نشطة على مستوى الوطن العربي ومحاولات لإنشاء بعض المؤسسات والجمعيات الخيرية لدعم مرضى الايدز في اقطار عربية كانت ترفض سابقاً مجرد الاعتراف بالمرض، فهل سنشهد اليوم الذي تستطيع فيه طفلة مثل سارة ان تتخلى عن قناعها الابيض لتقف امام الناس بكل قوة وشجاعة؟
رياض كان من ضمن الحضور في الإجتماع الإستشاري الإقليمي لإعداد دليل تدريبي حول حقوق النساء في مواجهة تحدي الايدز والذي نظمه البرنامج الإقليمي للأيدز في الدول العربية (هارباس) وقد كان حاضرا معنا في معظم جلسات النقاش والتشاور. أكثر ما كان يضايق رياض هو النظرة الدونية التي ينظر بها المواطن العربي للمتعايشين وماينادى به البعض من اقصاء لمرضى الإيدز وعزلهم عن المجتمع وحينما سألته عن امنياته للاعوام المقبلة قال: ان يحصل المتعايش على كافة حقوقه كإنسان في الحياة والصحة والغذاء والمسكن والخصوصية والمعلومات والتعليم والعمل وعدم التمييز
لم اسأل رياض عن قصته أو تفاصيل مرضه وفضلت ان اترك له المجال ليتحدث بحرية عن مشاعره وتمنياته بمناسبة اليوم العالمي للإيدز الذي يصادف الأول من ديسمبر من كل عام، وكان هذا اللقاء السريع الذي أجريته معه في بهو الفندق
أربعة ايام فقط هي عدد الايام التي أمضيتها في تونس لحضور الاجتماع الإستشاري الإقليمي الذي نظمه البرنامج الاقليمي للأيدز في الدول العربية (هارباس) لإعداد الدليل التدريبي وخطة العمل لتعزيز حقوق النساء في مواجهة الايدز/السيدا. هي المرة الأولي التي أزور فيها تونس والتي أعتقد بأنها لن تكون الأخيرة فخلال هذه الفترة القصيرة لم يتسنى لي زيارة العديد من المعالم والمناطق السياحية التي سمعت عنها مثل مدينة المنستير والحمامات ونابل وسوسة وطبرقة وجزيرة جربة وغيرها. كما أن هذا البلد قد اغواني بثراء جماله واصالته والذي لم أكن أعرف عنه سوى القليل وكان مرتبطاً في ذهني دائماً بمهرجان قرطاج الدولي
سأعترف في البداية أنني قبل ان أزور تونس كان لدى تصور مسبق بأنها تشبه اي بلد عربي آخر ولكن الواقع نسف كل هذه التوقعات وجعلني أعيد حساباتي بالنسبة لتصوري لدول المغرب العربي، فكل منطقة في تونس لها خصوصيتها وتفردها. هي عدة مدن في مدينة واحدة ومزيج غريب بين الشرق والغرب فشارع الحبيب بورقيبة في العاصمة التونسية مثلًا لايختلف كثيرا عن اي شارع عصري في اي بلد أوروبي آخر حتى ان أحد المشاركين في الاجتماع شبهه بشارع الشانزلزيه في فرنسا، فإبتداء من المسرح البلدي للكاتدرائية الكاثوليكية لنصب المؤرخ الكبير ابن خلدون في ساحة الاستقلال انتهاء بالمطاعم والمقاهي التي تدب فيها الحياة منذ الساعة التاسعة صباحا حتى منتصف الليل تذكرك بعدة مدن اوروبية مشيت في شوارعها من قبل، مدن تتناغم فيها انماط مختلفة من المباني والاشكال المعمارية المختلفة. الجامع بالقرب من الكاتدرائية، والمترو في الجانب المقابل للشارع قريبة من الارصفة حيث يعبر المارة
على بعد خطوات قليلة، تقع المدينة العتيقة بأزقتها القديمة وسوقها الشعبي الذي يشبه إلي حد كبير حي خان الخليلي في القاهرة مع اختلاف الصناعات التقليدية التي يتفرد بها كلا البلدين . وقد لفت نظري وأنا أطوف بداخل هذه الازقة الضيقة المتعرجة واجهات المباني والشرفات المطلة على الشارع، أعمدة الكهرباء القديمة ولافتات كُتب عليه اسماء الاسواق التي تمر بها .. سوق السرايرية .. سوق القوافي .. الخ حتى تصل لمقهى الزيتونة في منتصف الزقاق والذي توقفت فيه لتناول الكسكسي، اشهر أكلة تونسية يتم اعدادها في المغرب العربي بطرق مختلفة
زحام من البشر ودكاكين متراصة تحفل بشتى انواع الحرف والصناعات اليدوية التقليدية، العطور والبهارات وحتى الحلويات تتوافر في هذا السوق. أثناء تجولي وحديثي مع بعض الباعة تعرفت على الحاج محمد الطيب صاحب محل للحلويات التونسية والذي عرفني على أشهر الحلويات التونسية كالمقروض والبقلاوة وكعك الورق وعجين اللوز. إلي جانب الحاج محمد تعمل سلمى، فتاة تونسية في مقتبل العمر طلبت مني حينما كنت اصورها وهي تهم بإعداد الحلوى ان لاأظهر وجهها وان أكتفي بتصوير يديها وهي تفرد العجين . الحاج محمد أخبرني عن بعض ذكرياته في البحرين حينما حضر للمشاركة في مهرجان أُقيم في حديقة الاندلس وقد ذُهلت لذاكرته القوية في تذكر اسماء بعض الشخصيات المعروفة والمناطق التي لازال يحفظها رغم مرور زمن طويل على تلك الزيارة
واصلت السير في ازقة المدينة العتيقة حتى وصلت لجامع الزيتونة والذي يسمح للزوار من جميع الديانات والطوائف بدخول الجامع وإلتقاط الصور على ان لايكون ذلك خلال اوقات الصلاة. لا أحد يستطيع ان يؤكد سبب تسمية الجامع بهذا الاسم ولكن الروايات تُرجح انه سُمي كذلك نسبة لشجرة زيتون وجدها الفاتحون في مكان الجامع فأطلقوا على الجامع الذي بنوه هذا الاسم. في المدينة القديمة تشعر إن كل ما حولك يمتد لعصور وتاريخ ضارب في القدم .. البيوت .. الابواب .. الشرفات .. مآذن المساجد .. حكايات تود لو انك تعرف عنها وعن تاريخها المزيد
الاستعمار اللغوي الفرنسي
رغم ان اللغة العربية هي اللغة الرسمية للجمهورية التونسية الا ان اللهجة التونسية خليط من العربية والفرنسية. هناك حالة إغتراب بين الشعب التونسي وبين لغته، الاستعمار اللغوي الفرنسي كما اسماه الدكتور محمود الذوادي بدا مهيمناً في جميع فئات المجتمع التونسي وان كان بدرجات متفاوتة وحاضرا بقوة في جميع انواع الثقافة والفنون. شعرت بذلك أكثر حينما حضرت مسرحية الممثل الملك لير في المسرح البلدي الذي ذكرني بفخامة تصميمه ومقصورته الرائعة بالافلام العربية القديمة ولكن تعذر على فهم معظم الحوارات التي دارت بين الممثلين لانها كانت مزيج من اللغة الفرنسية واللهجة التونسية العامية وان كنت قد فهمت فكرة المسرحية من خلال السياق العام للاحداث. جميع اللوحات والرقصات والملابس وديكور المسرح بدت لي فرنسية صرفة اما بطل المسرحية الممثل التونسي هشام رستم فقد ذكرني بالممثل الفرنسي المغربي الاصل جين رينو من حيث الشكل والملامح
قرطاج وسيدي بوسعيد
في قرطاج يمكنك ان ترى أجمل وأرقى المدن والضواحي التونسية كقمرت والمرسى المعروفة بشاطئها الممتد وكورنيشها الذي يستقطب العديد من الفنادق والملاهي والمقاهي. في طريقنا لفندق بارسيلو في قرطاج لحضور المؤتمر الوطني بمناسبة اليوم التونسي للايدز مررنا بالعديد من الاماكن والمعالم التاريخية كقصر قرطاج وجامع العابدين وخزانات المياه التي بناها الرومان. تمنيت ان ازور متحف باردو مع بقية المشاركين في الاجتماع ولكن كان على اللحاق بالطائرة للعودة للبحرين
من أجمل المناطق التي زرتها في قرطاج هي قرية سيدي بوسعيد وهي قريبة الشبه ببعض الاحياء في اسبانيا واليونان، مصيف يعج بالمنازل البيضاء التي تزينها الابواب والشرفات ذات اللون الازرق وتنتشر فيها اعداد كبيرة من المقاهي والمطاعم المطلة على البحر أشهرها القهوة العالية بمدرجاتها المطلة على السوق. في سيدي بوسعيد أعتراني شعور غامر بالفرح فهذه أول مرة أرى فيها مصيفاً بهذه الروعة، تخليت عن حذائي رغم برودة الطقس ومشيت حافية القدمين بين البيوت المعلقة عند هضبة صغيرة حتى وصلت لأعلى الربوة التي تطل على خليج تونس حيث ترسو اعداد هائلة من اليخوت والمراكب
تونس .. حقوق المرأة تزدهر وحرية الرأي تتراجع
الشعب التونسي شعب مثقف ومضياف جداً ويستقبلك بحفاوة وبإبتسامة لاتغيب عنها كلمات مثل برشة .. مرحبا بيك .. يعيشك والتي يتداولها التونسيون بكثرة، والمرأة التونسية تحظى بالكثير من الحقوق والمكتسبات التي لاتحظى بها اي امرأة عربية أخرى على مستوى الوطن العربي والتي تهدف إلى إزالة كل اشكال التمييز ضد المرأة
المعلومة التي أذهلتني بالفعل ولم أكن اعرفها من قبل عن تونس انها تحظر تعدد الزوجات منذ عام ١٩٥٧ بموجب قانون الاحوال الشخصية او ما يطلق عليه التونسيون مجلة الاحوال الشخصية ولكن المفارقة في الوقت ذاته ان تونس أحتلت المرتبة الأولي عربياً والرابعة عالمياً في نسبة الطلاق وذلك طبقاً لدراسة أجريت حديثاً ورفضتها وزارة العدل التونسية
هناك جدل يدور الآن في تونس حول دعوة لإعادة إجازة تعدد الزوجات كحل إسلامي للمشاكل الاجتماعية مثل العلاقات خارج نطاق الزواجه والعنوسة الا ان بعض النساء يرفضنها خوفاً من تراجع مكتسباتهن الاجتماعية كما ان بعضهن استشهد بازدياد حالات الطلاق في منطقة الخليج العربي كدليل على عدم جدوى إجازة تعدد الزوجات كحل للمشكلات الاجتماعية التي أنتشرت حديثاً في تونس
كان هذا الجانب المضئ من حقوق الانسان في تونس اما الجانب المظلم فقد تعرفت عليه خلال حضوري للملتقى الثاني للمدونين العرب في بيروت اذ تطرق بعض المدونون لقضية تعثر حرية الرأي والتعبير والصحافة في تونس ومواجهتها لعراقيل عدة ابرزها التدخل الحكومي وتعرض بعض نشطاء حقوق الانسان والمدونين والصحفيين للاعتقال او الملاحقة الأمنية بين الحين والآخر بسبب الاعلان عن آرائهم او ادلاءهم بتصريحات او معلومات لوسائل الإعلام المختلفة
لماذا؟
أنتهت رحلتي القصيرة لتونس ولكن الاسئلة التي ظلت تراودني هي: لماذا لم أكن أعرف أو اسمع عن تونس كما أعرف مصر وسوريا ولبنان؟ لماذا تعيش معظم دول شمال افريقيا بمعزل عن العالم العربي؟ لماذا تبدو المسافة بيننا وبينهم كبيرة وشاسعة كما لو أنهم ليسوا جزءاً من وطننا العربي الكبير؟