Archive for the ‘قراءات’ Category

أحلام مستغانمي .. ثقافة الجمل الجميلة

Posted on 2009 09, 01 by Suad

Nessyanahlam

قلما أحب كاتب ما وأحب كتاباته في آن واحد ولكن هناك اسباب كثيرة تجعلني أحب شخصية الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي وأظن أنني سأحبها أكثر في الايام القادمة ولاتسألوني عن الاسباب

أحلام اطلقت في يوليو الماضي كتابها الجديد “نسيان كوم” وقد بدا الاسم غريبا بالنسبة لي فظننت في البداية ان عنوان الكتاب هو نيسان كوم نسبة لشهر نيسان ولكنني أدركت فيما بعد ان  العنوان هو نسيان كوم  لسببين الاول هو ان موضوع الكتاب عن النسيان وكلمة “كوم” كانت اضافة ذكية من الكاتبة لتصبح الكلمة النهائية نسيانكم وكأنها تتحدث بلسان جميع النساء اللاتي ينشدن  نسيان قصص الحب الموجعة، اما السبب الآخر فهو ان الكاتبة قد دشنت موقعا الكترونيا بنفس الاسم يتضمن ميثاق شرف انثوي اشارت اليه في نهاية كتابها وطلبت من من قارئاتها ان يوقعن عليه وان يتعهدن بالتالي

دخول الحب وهن على ثقة تامة بأنه ما من وجود لحب ابدي
إكتساب حصانة الصدمة وتوقع كل شئ من الحبيب
عدم البكاء بسبب رجل، فلا رجل يستحق دموعها ومن يستحقها لم يكن ليرضى ان يبكيها
ان تحب كما لم تحب امرأة وان تكون جاهزة للنسيان كما ينسى الرجال

ميثاق شرف أشك ان اي امرأة قادرة على الالتزام ببند من بنوده فأحلام نفسها تعترف ان المشكل الحقيقي سيكون في صعوبة حكم ملايين النساء الحمقاوات اللائي لايمتثلن للتعليمات، ولايعرفن ماذا يردن بالضبط من الحياة.  هن منخرطات في حزب النسيان وعينهنّ على الرجال.  يقلن لا ويضمرن نعم.  ومع ذلك فإن الكاتبة وحسب ما ذكرت في كتابها تطمح لجمع أربعين ألف توقيع نسائي بعدد نسخ الطبعة الاولى من الكتاب وتستدرك .. “الا اذا قام الرجال بشراء نصف الكمية من النسخ عن فضول او لمصادرة حقنا في النسيان” .. ولم لا؟ فعلى غلاف الكتاب كُتب باللون الاحمر ووسط دائرة حمراء “يحظر بيعه للرجال” عبارة كفيلة بفتح شهية وفضول اي رجل لإكتشاف فصول الغباء في حياة النساء

تقول أحلام في مقابلة أجرتها معها وكالة فرانس برس ان فكرة الكتاب انطلقت من صديقة لها تعيش قصة فراق موجعة، كان الرجل الذي تحبه يتصل بها يوميا عند التاسعة صباحا وبأنها ظلت حتى بعد ان افترقا تستيقظ يوميا في الوقت نفسه.  وحتى تخرج هذا الشهريار من رأسها راحت أحلام تتصل بها يوميا في الساعة نفسها لتروي لها كل يوم قصة كما كانت تفعل شهرزاد مع فارق انها ترويها لها نهارا

الكتاب ليس رواية ولايمكن تصنيفه ايضا ضمن كتب المساعدة الذاتية التي تلقى رواجاً كبيراً في الغرب لافتقاره للتحليل وللمعايير العلمية الاساسية وأحلام لاتنكر ذلك وتصنف كتابها ضمن الكتب التي تتضمن الكثير من النصائح الطريفة للمرأة وبأنها قد كتبت هذا الكتاب وهي تضحك .. هل هناك اعتراف أجمل من هذا؟

الكتاب يتضمن ايضا عشر قصص ادرجتها احلام في فصل أخير تحت عنوان “من قصص النساء الغبيّات” كان أجملها القصة العاشرة والاخيرة، كما أرفقت بالكتاب اسطوانة مدمجة جمعت فيها بعض قصائدها بصوت الفنانة اللبنانية جاهدة وهبة تحت عنوان “ايها النسيان .. هبني قبلتك”.  وبغض النظر عن رأيي الشخصي في صوت الفنانة جاهدة وهبة الا انني ارى ان الفكرة في حد ذاتها مبتكرة وذكية وأتوقع ان يقوم كتّاب عرب آخرون بتقليدها فيما بعد

أعرف ان البعض – أكثر هؤلاء “البعض” من الرجال – لايستسيغون ادب ولاكتابات أحلام مستغانمي ولكنني وكما صرحت من قبل ودون ادنى شعور بالخجل او بالانتقاص من وزن ثقافتي او ثقافة من اقرأ لهم ان الجمل العميقة واللافتة بين السطور كثيراً ما تجتذبني لأي عمل ادبي اقرأه وبأنها قد تكون  خلاصة العمل كله، وهاهي أحلام تؤكد ذلك من خلال وصفها لثقافتها بثقافة الجمل الجميلة وبأنها قد تصنع كتابا من جملة قد تأخذها من سائق تاكسي لان هذه هي فلسفة الحياة بالنسبة لها، ولانها فلسفة الحياة ايضا بالنسبة لي فقد أخترت لكم بعض هذه الجمل الجميلة من كتابها

أشياء تطاردها
وأخرى تُمسك بتلابيب ذاكرتك
أشياء تُلقي عليك السلام
وأخرى تُدير لك ظهرها
أشياء تودّ لو قتلتها
لكنّك كلّما صادفتها
أردتك قتيلً

الكل يخفي خلف قناعه جرحاً ما، خيبة ما، طعنة ما
ينتظر أن يطمئن إليك ليرفع قناعه و يعترف
ما استطعت ان انسى

أول قرار: إغلاقك كل قاعات الترانزيت في حياتك

الالم يستيقظ متأخراً، انه يعيش طويلا بعد الذكريات الجميلة

النساء دائما ماتقلق على الاشياء التي ينساها الرجال والرجال دائما ما يقلقون على الاشياء التي تتذكرها النساء

امام هذه البذلات المعلقة التي هي في متناول جيبي وماعادت في متناول قلبي بكيت، فقد تأكد لي حينها موته.  الميّت هو الذي ما عاد بإمكانك ان تعطيه شيئا، لكن مازال بإمكانه ان يعطيك ماشاء من الألم

عندما تلجأ إلى حب جديد لتنسى حباً كبيراً، توقع الا تجد حباً على مقاسك.  سيكون موجعاً كحذاء جديد.  تريده لأنه أنيق وربما ثمين .  لأنه يتماشى مع بذلتك، لكنه لايتماشى مع قلبك ولن تعرف كيف تمشي به.  ستقنع نفسك لمدة قصيرة او طويلة انك ان جاهدت قليلا بإمكانك انتعاله.  ستدعي ان الجرح الذي يتركه على قدمك هو جرح سطحي يمكن معالجته بضمادة لاصقة.  كل هذا صحيح لكنك غالبا ما لا تستطيع ان تمشي بهذا الحذاء مسافات طويلة.  قدمك لاتريده، لقد أخذت على حذاء قديم مهترئ .. مشت به سنوات

الحب اصلا اذى، لانك لاتتناولينه بجرعات محدودة.  تكثرين من الحبيب وتدمنينه فتتأذي به وتؤذيه لفرط حاجتك الدائمة والمتزايدة إليه ثم تتمردين عليه وتهجرينه فتمرضين به وتتسببين في مرضه وفي هذه الحالة فقط أغفر، عندما من يؤذيك حباً يفوقك عذابك به

يالله كم الفرح أناني وكم الحب لامبال! حين يجئ الحب بسعادته الخرافية تلك، تنسى الاخت اختها والصديقة صديقتها ويتنكر الاب لاولاده والاولاد لأمهم

Share

Why men love bitches?

Posted on 2009 04, 07 by Suad

hes-just-not-that-into-yousex-and-the-city

أتصلت بي صديقتي قبل اسابيع لتخبرني عن نبأ انفصال قريبها عن زوجته بعد زواج دام أكثر من خمسة وعشرين عاما ليتزوج من أخرى، كانت صديقتي مندهشة والدهشة لم يكن مبعثها خبر الانفصال في حد ذاته ولكن في وضع امرأتين من عالمين مختلفين في نفس الكفة وكانت تتساءل كيف يمكن لمن احب الاولى ان يحب الثانية فالفرق شاسع بين الاثنتين فالزوجة الاولى – والكلام لصديقتي –  امرأة جميلة، متعلمة ومثقفة وام صالحة تخلت عن طموحها وأفنت حياتها في تربية ابناءها الذين يتبوأون اليوم مراكز اجتماعية هامة على الرغم من صغر سنهم، اما الاخرى فعلى حد تعبيرها امرأة ساقطة وانتهازية لاتتمتع بأي مزايا تُذكر. قلت لها ربما كانت جميلة فقالت جمالها متوسط وليس ذلك النوع من الجمال الذي يدير رؤوس الرجال

بعد ايام وبينما كنت اتنقل بين المدونات أستوقفتني تدوينة لسلفر عن سيناريوهات العلاقات العاطفية ثم تدوينة أخرى لغيداء (مجرد كلام) عن دور المرأة في رسم واقع حزين ان لم يكن مهين لامرأة أخرى مثلها يمكن ان تكون صديقتها او حتى ابنتها، ولاأعرف لماذا شعرت حينها برابط بين كل هذه القصص وبين بعض الافكار التي تدور في رأسي كلما تناهت الى سمعى قصة جديدة او قرأت كتاب عن الاختلافات بين الرجل والمرأة .. “الرجال من المريخ والنساء من فينوس” .. “الجنس والمدينة” .. “زوجات يائسات” .. “انه ليس واقع في حبك إلى هذا الحد” .. الآف الكتب والمسلسلات والافلام لتنظير العلاقات العاطفية بين الرجل والمرأة، بعضها واقعي وبعضها قصص هوليوودية عن رجال ونساء يعيشون في كوكب آخر الا ان العامل المشترك بينها جميعا امرأة تقُدم على صهر نفسها وشخصيتها في شخصية الطرف الآخر إلى الحد الذي يلغي وجودها ان لم ينهيه .  في المجتمعات العربية على وجه الخصوص يتم الترويج لمثل هذا التهميش تحت مسميات مختلفة تارة بإسم التضحية وتارة بإسم الامومة وتارة بإسم الدين، ودروس التضحية والايثار هذه تقترن فقط بأسم المرأة اما الرجل فهو معفي منها بإسم الرجولة والقوامة

المجتمع نفسه الذي يتوقع بل يطلب من المرأة ان تنكر ذاتها وتوقد اصابعها العشرة شموعا للرجل هو نفسه من يلقي باللائمة عليها حينما يهجرها زوجها لأجل امرأة أخرى اكثر اعتدادا بنفسها وشخصيتها، امرأة ترفض ان تعيش لتكون ظل لرجل لايحترمها ولايبادلها العطاء

قبل عامين نصحني احد الزملاء المدونين بقراءة كتاب لروبرت غرين اسمه “اسرار القوة”، واسرار القوة حسب وجهة نظر المؤلف تكمن في ثمانية واربعين قاعدة للامساك بزمام القوة والسيطرة على الخصم الا ان المبدأ الذي تستند عليه هذه القواعد هو ان “الغاية تبرر الوسيلة” ويستشهد المؤلف بالعديد من القصص التاريخية للتدليل على اراءه التي تقوم على الانتهازية والتملق واستغلال نقاط الضعف لدى الطرف الآخر وهو نهج الكثير من السياسيين والزعماء في هذا العصر ونهج بعض العامة من الناس ممن نلتقي بهم في حياتنا اليومية.  ويبدو ان المبيعات الخيالية التي حققها الكتاب قد ألهمت روبرت غرين – المتمكن والمطلع جدا على اسرار النفس الانسانية – بتأليف كتاب آخر هو “فن الاغواء” .  في هذا الكتاب يستعرض روبرت عشر نماذج لفن الاغواء للتغرير بالضحايا من خلال اربعة وعشرين قاعدة ذهبية، والاغواء لا يقتصر على الاغراء الجسدي ولايرتبط بجنس معين وهناك العديد من المقولات الشهيرة لفلاسفة وكتّاب وعلماء حول الموضوع ولكن في النهاية فأن الكتاب يرشدك الى كيفية استغلال الاخرين من خلال فن الاغواء للحصول على ماتريد او حماية نفسك من التعرض للاستغلال والوقوع في فخ الاغواء الذي قد يسلب منك كل شئ بما في ذلك حياتك

لاأعرف بشكل تام وواضح ماالذي جعلني اربط بين الموضوع السابق وبين موضوع الكتابين ولكن في رأيي ان هناك نماذج من الرجال والنساء ممن يملكون اسرار ومفاتيح التحكم في الجنس الآخر بشكل فطري او ربما وراثي ولايحتاجون لقراءة كتب روبرت غرين لممارسة اغوائهم والايقاع بأي فريسة مهما كانت صامدة وقوية

why-men-love-bitchesthe-art-of-seduction

لماذا يعشق الرجال العاهرات؟ لماذا يتزوج الرجال من العاهرات؟

سمعت هذه الاسئلة أكثر من مرة في اكثر من جلسة نميمة نسائية وكان الحوار يدور دائما حول رجل “محترم” ومن عائلة “محترمة” آحب او اقترن بامرأة سيئة السمعة ولكن هاذين السؤالين هذه المرة هما عنوانا كتابين لشيري أرغوف حققا مبيعات خيالية منذ طرحهما في الاسواق حتى يومنا هذا، فحينما سألت عن الكتابين في فيرجن ميجاستور قال لي البائع انهم طرحوا اربعين نسخة من كل كتاب الا انها نفذت خلال يومين وان اغلب من اقتنوا الكتابين كانوا من النساء.  في مكتبة أخرى حرص البائع على اعطائي محاضرة عن التقاليد العربية والاسلامية حينما سألته عنهما وحاول ثنيي عن الشراء بحجة ان هذه الكتب تصلح للمجتمعات الغربية وان مضمونها لايتناسب مع قيمنا وعاداتنا الاسلامية.  ولولا انني كنت علي عجلة من امري ولست مستعدة لجدال لن ينتهي لسألت البائع كيف يمكن ان تكون الخيانة والزنا مناسبة لمجتمعاتنا العربية والاسلامية ويكون قراءة كتاب عن العلاقة بين الرجل والمرأة غير مناسب لقيمنا وتقاليدنا الاسلامية

بالعودة لموضوع الكتابين فأن شيري توضح في مقدمة كتابها “لماذا يعشق الرجال العاهرات؟” ان العاهرة ليست حسب ماهو متعارف عليه “بائعة الهوى” او المرأة المؤذية في محيط العمل التي يكرهها الجميع.  المرأة العاهرة حسب توصيف شيري لها هي تلك المرأة الذكية التي تتمتع بكافة مقومات الجاذبية والانوثة التي يسعى اليها اي رجل ولكنها في الوقت نفسه امرأة مستقلة تقدر نفسها وتحسن التعامل مع الرجل بحيث لاتتخلى عن حياتها الاجتماعية او تقبل الانصهار التام في شخصية اي رجل حتى لو كان هذا الرجل زوجها

وربما تفسر نظرية شيري عن المرأة العاهرة اسباب تخلى بعض الرجال عن زوجاتهن “الطيبات القلب” و”المعطاءات” لحد التضحية بأبسط متطلباتهن الحياتية لنيل رضا الزوج الذي يتنازل عنهن في النهاية لاجل امرأة لأخرى لاتقدم له ربع ماقدمته له زوجته من تضحيات

الكاتبة التي اجرت مئات اللقاءات مع الرجال والنساء قبل ان تطرح الاستنتاج الذي وصلت اليه وهو ان الرجال لايميلون للمرأة المتطلبة عاطفيا التي تتخلى عن حياتها وطموحها وجاذبيتها لاجلهم تقول ان٩٠٪ من الرجال الذين قابلتهم قد اجمعوا على ان عنوان كتابها ينطبق بالفعل عليهم وذلك في اول ثلاثين ثانية من حوارها معهم بل ان بعض الرجال ضحكوا وشعروا بشئ من الحرج لان افضل اسرارهم التي كانوا يحرصون على الاحتفاظ بها قد كُشفت للتو.  كما اتفقت العينة التي قابلتها علي ان الرجال يحتاجون “للتحدي الذهني”  لمطاردة امرأة ما وكسب ودها، والتحدي الذهني يبدو مصطلحا دارجا لدى الرجال أكثر منه لدي النساء اللاتي ربطن بينه وبين الذكاء أكثر مما ربطن بينه وبين مفهوم الحاجة والاتكالية

وتنتقد شيرى”المرأة الطيبة القلب” التي تسترسل كثيرا في طيبتها وعطائها لحد قد تصبح معه اشبه “بممسحة الارجل” وتقارن بينها وبين المرأة “العاهرة”  التي لاتوقف خططها ولاتنظر للساعة او لهاتفها النقال كل خمس دقائق للتأكد من انها لم تفقد اتصال منه ولاتؤجل مواعيدها الهامة الخاصة بالعمل او زياراتها لاصدقاءها للحاق بموعد حدده لها حبيبها او زوجها في آخر لحظة.  المرأة العاهرة تستمر في روتينها الحياتي المعتاد ولاتجعل الرجل حتى وان كان زوجها هو المحور الرئيسي لحياتها فتتخلى عن كل المحاور الاخرى لاجل شخص واحد وعاطفة واحدة حينما تنهار ينهار معها كل شئ آخر

الكتاب رغم لهجته الساخرة وتشبيهات المؤلفة المضحكة الا انه يستعرض سيناريوهات واقعية جدا للعلاقة بين الرجل والمرأة وربما اهم نصيحة يقدمها ان الحب لايعني ان تفقد المرأة احترامها لنفسها او تتخلى عن كيانها لتنصهر في كيان آخر لان ذلك في النهاية يفقدها احترام الآخرين لها وأولهم حبيبها وزوجها

Share

حوام والتوزيع الغلط

Posted on 2008 08, 27 by Suad

حينما أتصل بي حسين المحروس ليدعوني لحفل توقيع روايته الجديدة “حوام” الذي أقامه في مقهى كوستا مساء يوم الاثنين الماضي مازحته قائلة: نجيب محفوظ كتب أعظم روايته في مقهى الفيشاوي وانت تكتب اعظم رواياتك في مقهى كوستا بل وتدشنها ايضا من هناك .. ياله من زمن؟

حضرت الحفل واستلمت نسختي الموقعة التي انهيت قراءتها خلال يومين فقط، فالرواية قصيرة والنص بسيط وسلس والحوارات “خفيفة” وتتسم بالطرافة مما يجعلك تغوص في تفاصيلها دون ان تشعر بالوقت.

تدور احداث الرواية في احد احياء البحرين ويمكن الاستنتاج من خلال استعراض الكاتب لبعض الاحداث السياسية، مرورا بعادة ختان البنات وطقوس الزواج القديمة اننا امام حكاية بحرينية تفيض منها رائحة الماضي ببساطته وذكرياته.

“الحمام نسوان يا جماعة”

هكذا يرى “زكريا” معشر النساء أو هكذا يرى الحمام. فزكريا مولع بتربية الحمام ومنشغل بمراقبتها ورصد تحركاتها عن الاهتمام بزوجته “فاطمة”. هناك مقاربة ومقارنة بين الحمام والانسان في معظم فصول الرواية كما ان الكاتب وظف اسماء وطبائع الحمام بشكل جميل جدا في النص خدم هذه المقارنة. 

يتساءل “زكريا” عن الحكمة الالهية وراء ارتباط شخصين لاينسجم أحدهما مع الآخر في احد حواراته مع اصدقاءه هذا هو نصه: 

أحب ان أعرف لماذا يزاوج الله بين اثنين ليس بينهما مودة؟ يمضي وقت فيعشق كل واحد منهما شخصا آخر متزوجا ايضا وتصبح المحبة بينهما حتى العظم؟ يصبح حبا مختلفا تماما؟ عندي حمامة فالتة في القفص لاتبقى مع الذكر أكثر من شهر واحد.  لاتترك في خاطرها شيئا حتى تفعله.  حرام ان احصرها في ذكر واحد.  هل هذا التوزيع صحيح ياجماعة؟ أكيد لا .. التوزيع – بصراحة بصراحة – كله غلط.  

انت بصراحة تعلم الحمام الخيانة “قال الشاب الغاضب”

أي خيانة؟ أي بطيخ؟ أقول لك: التوزيع كله غلط.  الخيانة عندما يستمر التوزيع كله غلط ولانعيد توزيعه.  هذه هي الخيانة.  الخيانة عندما تكون الموالفة صحيحة وتظل الحمامة عطشانة وتبحث عما يرويها.  ولكن عندما تكون الموالفة غلط يصبح التوزيع غلطاً.  الموالفة هي ان تحس الحمامة بالحمامة.  اذا كان الاحساس غير موجود وراحت الحمامة تبحث عنه هل يكون خيانة؟  أكيد لا.  بالعكس هذه الحمامة طبيعية جدا.

لكن هذا ما كتبه الله لهم .. كل حمامة وقدرها وانت لاتستطيع تغيير القدر، وسوف ترى انك انت الغلط كله.  “قال الشاب الغاضب”.

حوار واقعي جدا والتوزيع الغلط ينسحب على أمور كثيرة في حياتنا وليس على الحب والزواج فحسب، ولكني لم أشعر بإن موضوع “التوزيع الغلط” ينطبق كثيرا على شخصيات الرواية.  قد يكون زواج زكريا التقليدى من ابنة خالته “توزيع غلط”، وقد يكون ايضا زواج مريم من شقيق زكريا “عباس” الذي يفتقر الى ابسط مقومات الحب والاحترام “توزيع غلط” ولكن الحبكة الروائية لم تكن محكمة بحيث تقنع القارئ بان انجذاب زكريا لمريم زوجة شقيقه وانسياقه نحو علاقة محرمة معها كانت بسبب “التوزيع الغلط” او لأن مواصفات مريم هي مواصفات فتاة احلام زكريا التي لم يجدها في ابنة خالته المتدينة.

في حوار آخر بين مريم وزكريا حول اسباب انجذابه لها وملاحقة نظرات أخوته الوقحة لتحركاتها يرجع زكريا الاسباب الى أنها “مختلفة .. جميلة .. أنيقة وشكل جسمها جميل”.

الموالفة والانجذاب اللذان يستند اليهما الكاتب هنا هما انجذاب وموالفة حسّيان مفعولهما مؤقت ولايكفي لاستمرار “موالفة صح”.  ثم ان مريم مارست غوايتها مع  زكريا وبقية أشقائه مما يلغي مسوغات “التوزيع الغلط”. اذا كان زكريا هو التوزيع الصح بالنسبة لمريم فلماذا لم ترفض تودد بقية اشقاءه لها وما هي مبررات الكاتب لاجماعهم على التودد اليها والتقرب منها خاصة وانها زوجة شقيقهم؟ 

في المقابل أحببت شخصية “زكريا” كثيرا ووجدتها ظريفة وعفوية وقريبة من شخصيات عرفتها في الواقع.  زكريا قربنا من شخصية “مربي الحمام” ومن تفاصيل هواية تربية الحمام حتى تلك التفاصيل الدقيقة منها وربما كان هذا هو الجانب الذي أستمتعت به أكثر من غيره في الرواية.  لغة الرواية سهلة وتتناسب مع بساطة زكريا وحواراته الساخرة التي رسمت الابتسامة على وجهي طوال قراءتي للرواية الا انني شعرت بأن قلم محروس ظلم زكريا بتسليطه الضوء على مريم وبإطلاق أسم “حوام” على الرواية.  فرغم تجاذب فصول الرواية بين “مريم” و”زكريا” وارتكازها على “حوام .. المرأة التي تكثر من خروجها في الحي وتلفت في مشيتها بين البيوت” الا ان “زكريا” كان هو الشخصية الأقوى والأكثر تفوقا في النص وبرأيي انه كان هناك “توزيع غلط” في حجم الادوار على ابطال الرواية.

“حوام” رواية ممتعة شدتني لقراءتها منذ السطور الأولى تماما كما شدتني فكرة خربشات محروس على الغلاف الخلفي للرواية والتي أثنى عليها معظم من حضروا حفل التوقيع.

بقى ان اضيف ان هذا المقال هو رؤيتي الخاصة لرواية “حوام”  فأنا لست بناقدة متخصصة كما أنني أحترم التخصص، لذا أرجو ان يعذرني النقاد لتعديّ على مهنتهم دون وجه حق. 

تحديث: يبدو ان روايات حسين المحروس أصبحت مقترنة بالجدل والخلافات والنقاشات الساخنة، فبعد ان تناول المحرر الثقافي في جريدة الوقت في مقال سابق  الخلاف الالكتروني حول رواية (قندة)  الذي اثارته الزميلة ملاذ في مدونتها ثورة سلام، كتب اليوم مقال آخر حول الجدل الدائر هنا حول شخصية (مريم) في رواية محروس الجديدة (حوام).  لقراءة المقال أضغط هنا

 

واشارة أخرى إلى الموضوع في ملحق الاسبوع بجريدة الايام الصادرة يوم السبت الموافق 13 سبتمبر 2008.

 

 

 

Share

أوراق الورد

Posted on 2008 06, 25 by Suad

“جبران!  لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب. إن الذين لا يتاجرون بمظهر الحب ودعواه في المراقص والاجتماعات، ينمي الحب في أعماقهم قوة ديناميكية قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في الللاء السطحي لأنهم لا يقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر، ولكنهم يغبطون الآخرين على راحتهم دون أن يتمنوها لنفوسهم، ويفضلون وحدتهم، ويفضلون السكوت، ويفضلون تضليل القلوب عن ودائعها، والتلهي بما لا علاقة له بالعاطفة. ويفضلون أي غربة وأي شقاء (وهل من شقاءٍ في غير وحدة القلب؟) على الاكتفاء بالقطرات الشحيحة.  ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به، ولكني أعرف أنك محبوبي، وأني أخاف الحب. أقول هذا مع علمي أن القليل من الحب كثير. الجفاف والقحط واللاشيء بالحب خير من النزر اليسير.  كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا. وكيف أفرط فيه؟ لا أدري.

 

الحمد لله أني أكتبه على الورق ولا أتلفظ به لأنك لو كانت الآن حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام، ولاختفيت زمناً طويلاً، فما أدعك تراني إلا بعد أن تنسى.  حتى الكتابة ألوم نفسي عليها، لأني بها حرة كل هذه الحرية.. أتذكر قول القدماء من الشرقيين: إن خير للبنت أن لا تقرأ ولا تكتب.

 

إن القديس توما يظهر هنا وليس ما أبدي هنا أثراً للوراثة فحسب، بل هو شيء أبعد من الوراثة. ما هو؟ قل لي أنت ما هو. وقل لي ما إذا كنت على ضلال أو هدى فإني أثق بك.. وسواء أكنت مخطئة أم غير مخطئة فإن قلبي يسير إليك، وخير ما يفعل هو أن يظل حائماً حواليك، يحرسك ويحنو عليك”.

 

(مي زيادة)

 

من أجمل رسائل الحب التي قرأتها هي رسائل الحب التي تبادلها الاديبان جبران خليل جبران ومي زيادة، الا ان أعجابي بهذه الرسائل تأثر بعد قراءتي ”رسائل الأحزان” و”المساكين” للأديب مصطفى صادق الرافعي. وتعاطفي مع الرافعي لم يكن بسبب اصابته بالصمم في سن مبكر ولا بسبب هيامه اليائس بالأديبة اللبنانية مي زيادة التي لم تبادله الحب فكتب فيها أجمل ما كتب من رسائل أدبية مرهفة في (أوراق الورد) و(السحاب الأحمر). 

 

تعاطفي مع الرافعي بدأ بعد قراءتي لإبداعات هذا الاديب الكبير الذي لم يحصد ما يستحق من مكانة وشهرة على الرغم من تفوقه لغويا على الكثير من شعراء جيله كما ذكرت مصادر متعددة هذا عدا كونه أول من نادى بتحرير الشعر العربي من قيود الوزن والقافية لينطلق نوع جديد من الشعر هو النثر الشعري.

 

وقبل ان أسترسل وأسهب في مديح الرافعي أعترف لكم بأن الود بيني وبين الشعراء العرب الأوائل ظل مفقودا طوال السنوات التي مضت، فالمناهج الدراسية التي ألزمتنا بحفظ القصائد المقفاة والمعلقات وترديدها كالببغاوات أفقدتني شهيتي لقراءة هذه القصائد وولدّت لدي شعور بالفتور والملل تجاه اي شاعر ينتمي إلى تلك العصور،  الا انني استعدت شغفي بالأدب العربي القديم مؤخرا بعد عثوري على بعض المواقع التي توفر اشهر المؤلفات العربية  كموقع “الوراق” الذي يعد واحدا من أفضل مواقع المكتبات الالكترونية. 

 

تعرفت على الرافعي أول مرة من خلال كتابه “المساكين” الذي يتناول موضوع الفقر والتعاطف الإنساني والذي تم مقارنته بمسرحية البوساء للكاتب الفرنسي فيكتور هوجو. الا ان أفضل مؤلفاته على الاطلاق هي كتبه النثرية حول فلسفة الحب والجمال والقطيعة والاحزان في كتبه “حديث القمر”، “رسائل الاحزان” و “السحاب الاحمر” و“أوراق الورد” التي يناجي فيها محبوبته في خلوته من خلال رسائل لم يرسلها اليها بل جمعها في هذا الكتاب بالاضافة الى رسائلها اليه وأرسلها لها بعد سبعة أعوام من تاريخ الفراق.

 

في قصائد الرافعي ورسائله عذوبة وتصوف وأزليه وترّفع بالحب تعيد الي ذهن القارئ صورة الحب الافلاطوني، وهذه بعض المقتطفات من كتاباته:

 

”من أراد أوراق الورد على أنه قصة حب في رسائل لم يجد شيئا
ومن اراده رسائل وجوابها في معنى خاص لم يجد شيئا
ومن أراده للتسلية وإزجاء للفراغ لم يجد شيئا
ومن أراده نموذجا من الرسائل يحتذيه لم يجد شيئا
ومن أراده قصة قلب ينبض بمعانيه على حاليه في الرضا والغضب ويتحدث بأمانيه عنه وإليه في الحب والسلوان وجد كل شئ.”.

 

“كل الأماني التي لا تتحقق ، هي وجود مخنوق في القلب”.

 

“لا يصحّ الحب بين اثنين إلا إذا أمكن لأحدهما أن يقول للآخر: يا أنا.. ومن هذه الناحية كان البغضُ بين الحبيبين – حين يقع – أعنف ما في الخصومة، إذ هو تقاتل روحين على تحليل أجزائهما الممتزجة، وأكبر خصيمين في عالم النفس متحابان، تباغضا”.

 

“الدموع أوهى من أن تهدم شيئاً ، ولكنها تهدم صاحبها !”.

 

“تقولين يا حبيبتي : أي شيء عندك هو جديد في؟ ولماذا لا تراني رؤيتك غيري؟ وكيف بعدت في نظرك المسافة بين وجه امرأة ووجه امرأة أخرى؟ وهل في وجوه النساء طريق متشعبة تذهب برجل يمينا وتلوي بغيره شمالا ، وتتوافى إلى غاية وتتفرق عن غاية ؟ ثم ما الذي جعلني عندك لغزا لا تفسير له ، وجعل النساء من دوني واضحات مفسرات كألفاظ الحياة الجارية في العادة والواقع المبذولة بمعانيها لمداولة الأخذ والعطاء، على حين تزعم أني كالعبارة العقلية التي يضرب فيها الظن على وجوه شتى ، وأني كما تقول كلمة بسرها؟”.

Share

« Older Entries