Archive for the ‘قراءات’ Category

حوام والتوزيع الغلط

Posted on 2008 08, 27 by Suad

حينما أتصل بي حسين المحروس ليدعوني لحفل توقيع روايته الجديدة “حوام” الذي أقامه في مقهى كوستا مساء يوم الاثنين الماضي مازحته قائلة: نجيب محفوظ كتب أعظم روايته في مقهى الفيشاوي وانت تكتب اعظم رواياتك في مقهى كوستا بل وتدشنها ايضا من هناك .. ياله من زمن؟

حضرت الحفل واستلمت نسختي الموقعة التي انهيت قراءتها خلال يومين فقط، فالرواية قصيرة والنص بسيط وسلس والحوارات “خفيفة” وتتسم بالطرافة مما يجعلك تغوص في تفاصيلها دون ان تشعر بالوقت.

تدور احداث الرواية في احد احياء البحرين ويمكن الاستنتاج من خلال استعراض الكاتب لبعض الاحداث السياسية، مرورا بعادة ختان البنات وطقوس الزواج القديمة اننا امام حكاية بحرينية تفيض منها رائحة الماضي ببساطته وذكرياته.

“الحمام نسوان يا جماعة”

هكذا يرى “زكريا” معشر النساء أو هكذا يرى الحمام. فزكريا مولع بتربية الحمام ومنشغل بمراقبتها ورصد تحركاتها عن الاهتمام بزوجته “فاطمة”. هناك مقاربة ومقارنة بين الحمام والانسان في معظم فصول الرواية كما ان الكاتب وظف اسماء وطبائع الحمام بشكل جميل جدا في النص خدم هذه المقارنة. 

يتساءل “زكريا” عن الحكمة الالهية وراء ارتباط شخصين لاينسجم أحدهما مع الآخر في احد حواراته مع اصدقاءه هذا هو نصه: 

أحب ان أعرف لماذا يزاوج الله بين اثنين ليس بينهما مودة؟ يمضي وقت فيعشق كل واحد منهما شخصا آخر متزوجا ايضا وتصبح المحبة بينهما حتى العظم؟ يصبح حبا مختلفا تماما؟ عندي حمامة فالتة في القفص لاتبقى مع الذكر أكثر من شهر واحد.  لاتترك في خاطرها شيئا حتى تفعله.  حرام ان احصرها في ذكر واحد.  هل هذا التوزيع صحيح ياجماعة؟ أكيد لا .. التوزيع – بصراحة بصراحة – كله غلط.  

انت بصراحة تعلم الحمام الخيانة “قال الشاب الغاضب”

أي خيانة؟ أي بطيخ؟ أقول لك: التوزيع كله غلط.  الخيانة عندما يستمر التوزيع كله غلط ولانعيد توزيعه.  هذه هي الخيانة.  الخيانة عندما تكون الموالفة صحيحة وتظل الحمامة عطشانة وتبحث عما يرويها.  ولكن عندما تكون الموالفة غلط يصبح التوزيع غلطاً.  الموالفة هي ان تحس الحمامة بالحمامة.  اذا كان الاحساس غير موجود وراحت الحمامة تبحث عنه هل يكون خيانة؟  أكيد لا.  بالعكس هذه الحمامة طبيعية جدا.

لكن هذا ما كتبه الله لهم .. كل حمامة وقدرها وانت لاتستطيع تغيير القدر، وسوف ترى انك انت الغلط كله.  “قال الشاب الغاضب”.

حوار واقعي جدا والتوزيع الغلط ينسحب على أمور كثيرة في حياتنا وليس على الحب والزواج فحسب، ولكني لم أشعر بإن موضوع “التوزيع الغلط” ينطبق كثيرا على شخصيات الرواية.  قد يكون زواج زكريا التقليدى من ابنة خالته “توزيع غلط”، وقد يكون ايضا زواج مريم من شقيق زكريا “عباس” الذي يفتقر الى ابسط مقومات الحب والاحترام “توزيع غلط” ولكن الحبكة الروائية لم تكن محكمة بحيث تقنع القارئ بان انجذاب زكريا لمريم زوجة شقيقه وانسياقه نحو علاقة محرمة معها كانت بسبب “التوزيع الغلط” او لأن مواصفات مريم هي مواصفات فتاة احلام زكريا التي لم يجدها في ابنة خالته المتدينة.

في حوار آخر بين مريم وزكريا حول اسباب انجذابه لها وملاحقة نظرات أخوته الوقحة لتحركاتها يرجع زكريا الاسباب الى أنها “مختلفة .. جميلة .. أنيقة وشكل جسمها جميل”.

الموالفة والانجذاب اللذان يستند اليهما الكاتب هنا هما انجذاب وموالفة حسّيان مفعولهما مؤقت ولايكفي لاستمرار “موالفة صح”.  ثم ان مريم مارست غوايتها مع  زكريا وبقية أشقائه مما يلغي مسوغات “التوزيع الغلط”. اذا كان زكريا هو التوزيع الصح بالنسبة لمريم فلماذا لم ترفض تودد بقية اشقاءه لها وما هي مبررات الكاتب لاجماعهم على التودد اليها والتقرب منها خاصة وانها زوجة شقيقهم؟ 

في المقابل أحببت شخصية “زكريا” كثيرا ووجدتها ظريفة وعفوية وقريبة من شخصيات عرفتها في الواقع.  زكريا قربنا من شخصية “مربي الحمام” ومن تفاصيل هواية تربية الحمام حتى تلك التفاصيل الدقيقة منها وربما كان هذا هو الجانب الذي أستمتعت به أكثر من غيره في الرواية.  لغة الرواية سهلة وتتناسب مع بساطة زكريا وحواراته الساخرة التي رسمت الابتسامة على وجهي طوال قراءتي للرواية الا انني شعرت بأن قلم محروس ظلم زكريا بتسليطه الضوء على مريم وبإطلاق أسم “حوام” على الرواية.  فرغم تجاذب فصول الرواية بين “مريم” و”زكريا” وارتكازها على “حوام .. المرأة التي تكثر من خروجها في الحي وتلفت في مشيتها بين البيوت” الا ان “زكريا” كان هو الشخصية الأقوى والأكثر تفوقا في النص وبرأيي انه كان هناك “توزيع غلط” في حجم الادوار على ابطال الرواية.

“حوام” رواية ممتعة شدتني لقراءتها منذ السطور الأولى تماما كما شدتني فكرة خربشات محروس على الغلاف الخلفي للرواية والتي أثنى عليها معظم من حضروا حفل التوقيع.

بقى ان اضيف ان هذا المقال هو رؤيتي الخاصة لرواية “حوام”  فأنا لست بناقدة متخصصة كما أنني أحترم التخصص، لذا أرجو ان يعذرني النقاد لتعديّ على مهنتهم دون وجه حق. 

تحديث: يبدو ان روايات حسين المحروس أصبحت مقترنة بالجدل والخلافات والنقاشات الساخنة، فبعد ان تناول المحرر الثقافي في جريدة الوقت في مقال سابق  الخلاف الالكتروني حول رواية (قندة)  الذي اثارته الزميلة ملاذ في مدونتها ثورة سلام، كتب اليوم مقال آخر حول الجدل الدائر هنا حول شخصية (مريم) في رواية محروس الجديدة (حوام).  لقراءة المقال أضغط هنا

 

واشارة أخرى إلى الموضوع في ملحق الاسبوع بجريدة الايام الصادرة يوم السبت الموافق 13 سبتمبر 2008.

 

 

 

Share

أوراق الورد

Posted on 2008 06, 25 by Suad

“جبران!  لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب. إن الذين لا يتاجرون بمظهر الحب ودعواه في المراقص والاجتماعات، ينمي الحب في أعماقهم قوة ديناميكية قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في الللاء السطحي لأنهم لا يقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر، ولكنهم يغبطون الآخرين على راحتهم دون أن يتمنوها لنفوسهم، ويفضلون وحدتهم، ويفضلون السكوت، ويفضلون تضليل القلوب عن ودائعها، والتلهي بما لا علاقة له بالعاطفة. ويفضلون أي غربة وأي شقاء (وهل من شقاءٍ في غير وحدة القلب؟) على الاكتفاء بالقطرات الشحيحة.  ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به، ولكني أعرف أنك محبوبي، وأني أخاف الحب. أقول هذا مع علمي أن القليل من الحب كثير. الجفاف والقحط واللاشيء بالحب خير من النزر اليسير.  كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا. وكيف أفرط فيه؟ لا أدري.

 

الحمد لله أني أكتبه على الورق ولا أتلفظ به لأنك لو كانت الآن حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام، ولاختفيت زمناً طويلاً، فما أدعك تراني إلا بعد أن تنسى.  حتى الكتابة ألوم نفسي عليها، لأني بها حرة كل هذه الحرية.. أتذكر قول القدماء من الشرقيين: إن خير للبنت أن لا تقرأ ولا تكتب.

 

إن القديس توما يظهر هنا وليس ما أبدي هنا أثراً للوراثة فحسب، بل هو شيء أبعد من الوراثة. ما هو؟ قل لي أنت ما هو. وقل لي ما إذا كنت على ضلال أو هدى فإني أثق بك.. وسواء أكنت مخطئة أم غير مخطئة فإن قلبي يسير إليك، وخير ما يفعل هو أن يظل حائماً حواليك، يحرسك ويحنو عليك”.

 

(مي زيادة)

 

من أجمل رسائل الحب التي قرأتها هي رسائل الحب التي تبادلها الاديبان جبران خليل جبران ومي زيادة، الا ان أعجابي بهذه الرسائل تأثر بعد قراءتي ”رسائل الأحزان” و”المساكين” للأديب مصطفى صادق الرافعي. وتعاطفي مع الرافعي لم يكن بسبب اصابته بالصمم في سن مبكر ولا بسبب هيامه اليائس بالأديبة اللبنانية مي زيادة التي لم تبادله الحب فكتب فيها أجمل ما كتب من رسائل أدبية مرهفة في (أوراق الورد) و(السحاب الأحمر). 

 

تعاطفي مع الرافعي بدأ بعد قراءتي لإبداعات هذا الاديب الكبير الذي لم يحصد ما يستحق من مكانة وشهرة على الرغم من تفوقه لغويا على الكثير من شعراء جيله كما ذكرت مصادر متعددة هذا عدا كونه أول من نادى بتحرير الشعر العربي من قيود الوزن والقافية لينطلق نوع جديد من الشعر هو النثر الشعري.

 

وقبل ان أسترسل وأسهب في مديح الرافعي أعترف لكم بأن الود بيني وبين الشعراء العرب الأوائل ظل مفقودا طوال السنوات التي مضت، فالمناهج الدراسية التي ألزمتنا بحفظ القصائد المقفاة والمعلقات وترديدها كالببغاوات أفقدتني شهيتي لقراءة هذه القصائد وولدّت لدي شعور بالفتور والملل تجاه اي شاعر ينتمي إلى تلك العصور،  الا انني استعدت شغفي بالأدب العربي القديم مؤخرا بعد عثوري على بعض المواقع التي توفر اشهر المؤلفات العربية  كموقع “الوراق” الذي يعد واحدا من أفضل مواقع المكتبات الالكترونية. 

 

تعرفت على الرافعي أول مرة من خلال كتابه “المساكين” الذي يتناول موضوع الفقر والتعاطف الإنساني والذي تم مقارنته بمسرحية البوساء للكاتب الفرنسي فيكتور هوجو. الا ان أفضل مؤلفاته على الاطلاق هي كتبه النثرية حول فلسفة الحب والجمال والقطيعة والاحزان في كتبه “حديث القمر”، “رسائل الاحزان” و “السحاب الاحمر” و“أوراق الورد” التي يناجي فيها محبوبته في خلوته من خلال رسائل لم يرسلها اليها بل جمعها في هذا الكتاب بالاضافة الى رسائلها اليه وأرسلها لها بعد سبعة أعوام من تاريخ الفراق.

 

في قصائد الرافعي ورسائله عذوبة وتصوف وأزليه وترّفع بالحب تعيد الي ذهن القارئ صورة الحب الافلاطوني، وهذه بعض المقتطفات من كتاباته:

 

”من أراد أوراق الورد على أنه قصة حب في رسائل لم يجد شيئا
ومن اراده رسائل وجوابها في معنى خاص لم يجد شيئا
ومن أراده للتسلية وإزجاء للفراغ لم يجد شيئا
ومن أراده نموذجا من الرسائل يحتذيه لم يجد شيئا
ومن أراده قصة قلب ينبض بمعانيه على حاليه في الرضا والغضب ويتحدث بأمانيه عنه وإليه في الحب والسلوان وجد كل شئ.”.

 

“كل الأماني التي لا تتحقق ، هي وجود مخنوق في القلب”.

 

“لا يصحّ الحب بين اثنين إلا إذا أمكن لأحدهما أن يقول للآخر: يا أنا.. ومن هذه الناحية كان البغضُ بين الحبيبين – حين يقع – أعنف ما في الخصومة، إذ هو تقاتل روحين على تحليل أجزائهما الممتزجة، وأكبر خصيمين في عالم النفس متحابان، تباغضا”.

 

“الدموع أوهى من أن تهدم شيئاً ، ولكنها تهدم صاحبها !”.

 

“تقولين يا حبيبتي : أي شيء عندك هو جديد في؟ ولماذا لا تراني رؤيتك غيري؟ وكيف بعدت في نظرك المسافة بين وجه امرأة ووجه امرأة أخرى؟ وهل في وجوه النساء طريق متشعبة تذهب برجل يمينا وتلوي بغيره شمالا ، وتتوافى إلى غاية وتتفرق عن غاية ؟ ثم ما الذي جعلني عندك لغزا لا تفسير له ، وجعل النساء من دوني واضحات مفسرات كألفاظ الحياة الجارية في العادة والواقع المبذولة بمعانيها لمداولة الأخذ والعطاء، على حين تزعم أني كالعبارة العقلية التي يضرب فيها الظن على وجوه شتى ، وأني كما تقول كلمة بسرها؟”.

Share

« Older EntriesNewer Entries »