“كلما كانت هذه الحكايات مليئة بالتفاصيل، إلا وكانت مثيرة أكثر، لأنه و أن شيئا ما أختلف لما كنت وُلدت.أنني أراهن أن هناك ألافا عديدة من التفاصيل التي يمكن أن تغير كل شئ إلى الحد الذي يجعلك لا تفهم أي شئ”.
لم أقرأ من قبل أي رواية لجوستاين غاردر بما في ذلك الرواية التي أشتهر من خلالها وهي عالم صوفي إلا أن ما شجعني على قراءة بعض رواياته هو حديثه عن أهمية سرد القصص وتشجيعه على الحفاظ على التراث المحلي من الحكايات والأساطير بسردها للأجيال جيلا بعد الآخر. ولتوضيح أهمية سرد القصص أستدل جوستاين بالأحداث السياسية العالمية والشرق أوسطية بشكل خاص وكيف أن قصة إنسانية حقيقة أو حتى مزيفة قد تتناقلها وكالات الأنباء قادرة على قلب الموازين وكسب تعاطف أو ازدراء المجتمع الدولي وان الأحداث التي تسرد بشكل قصصي عادة ما تعلق بالذاكرة لمدة أطول.
وإذا ما تأملنا فلسفة جوستاين فما الحياة إلا مجموعة من القصص الحقيقية والخيالية منها بعضها يندثر مع الزمن والبعض الآخر يبقى حاضرا من خلال الأساطير والكتب.
قرأت رواية جوستاين فتاة البرتقال المترجمة إلى اللغة العربية وحتى وصولي للفصل الأخير من الرواية كنت أفكر في مغزى القصة وأبعادها الفلسفية. فأحداث الرواية لا تختلف كثيرا عن غيرها من الروايات فمحور القصة هو فتاة البرتقال التي التقاها والد جورج صدفة في احد القطارات أثناء دراسته للطب ليتزوج منها بعد ذلك ثم يفاجئه المرض فيبدأ في كتابة رسالة طويلة لأبنه يسرد فيها حكايته مع فتاة البرتقال ويخبأ الرسالة في عربة كبيرة أشتراها له على أمل أن يعثر عليها جورج يوما ما بعد أن يكبر وهذا هو ما يحدث تماما بعد 11 عاما اذ يعثر جورج على الرسالة فينكب على قراءتها حتى النهاية لتنتهي معها فصول رواية فتاة البرتقال.
المشوق في القصة هو هالة الغموض التي يحيطها والد جورج بشخصية فتاة البرتقال.الغموض الذي يجعلك تتابع بشغف قراءة القصة وتتساءل عن سر الفتاة التي تحمل كيس البرتقال فتطلق لخيالك العنان للعديد من الاحتمالات. هل تخضع فتاة البرتقال لنوع من الحمية أما أنها تستعد لإعداد طبق من المُحلّيات؟ أم هي مجرد فتاة تعيش وسط أسرة كبيرة؟وتمضي فصول الرواية قبل أن تكتشف من هي فتاة البرتقال وما هو سرها.
ثم هناك الجانب الآخر من الرواية الذي يختزل فلسفة الحياة والوجود، فوالد جورج يشهد إثناء حياته بعض الاختراعات العلمية التي يتوقع تطويرها بعد وفاته ويطرح بعض الأسئلة والتأملات حول الحياة والكون الذي يخضع لاحتمالات عديدة شبيهة باحتمالاته حول فتاة البرتقال التي تقوده للبحث عنها وعن حقيقة هذا الكون في الوقت ذاته.
تحتل القصص جزءا كبيرا من حياتنا دون أن نشعروتتأثر بها الأحداث كل يوم بل كل دقيقة.بعض القصص هزت عروش وإمبراطوريات عريقة وبعضها الآخر غير مجرى التاريخ ولو أننا توقفنا لنفكر قليلا في عواقب تناقل بعض القصص والإشاعات التي تصلنا كل يوم عبر وسائل الإعلام والاتصالات المختلفة لأدركنا أهمية هذه الذخيرة الموقوتة التي لم يعد استخدامها حكرا على الروائيين والكتاب بل امتدت لتشمل السياسيين والاقتصاديين والعلماء بعد ان طال التسييس كل شئ في حياتنا حتى القصص وهذا ما تناوله كتاب آخر قرأته مؤخرا .
قصص كثيرة هنا وهناك يتحول البعض منها بفضل الخيال الى مصدر الهام وأمل والبعض الآخر الى حقيقة أشد بشاعة مما قد يستوعبه خيال أو عقل.
منذ طفولتي وأنا أعشق رؤية الطائرات الورقية تحلق عاليا في السماء، كنت أتخيل انهامثل بساط علاء الدين السحري لو قدر لي ان أطير على متنها لأكتشفت عوالم رائعة منالخيال. اليوم أكتشفت ان في التحليق مع رواية جميلة مثلروايةعداء الطائرة الورقيةمتعة قد تضاهي متعة هذا التحليق الخيالي وقدتتفوق عليه من حيث العلو والمسافات التي يمكن قطعها مع كل فصل من فصولالرواية.
هذه الرواية التيلم تقع بيدى الا مؤخرا صدرت في العام 2003للكاتب الامريكيالجنسية الافغاني الاصل خالد حسينيوحصلت على المركز الأول لأفضلالكتب مبيعا. عاب البعض على الكاتب تقديمه لطالبان على انهم مجموعة من الشواذ عوضاعن التطرق إلى تطرفهم الديني ولكن ذلك لا يقلل من نجاح الرواية ولا ينفي رهافةمشاعر الكاتب التي تبدو حاضرة بقوة في معظم احداث القصة. تتطرقالرواية إلى مراحل افغانستان السياسية من خلال سردها لقصة حياة صديقين هما أميروحسن، أمير الماهر في لعبة الطائرات الورقية وحسن العداء الافضل فيكابول.
يفوز أمير بأكبرمهرجان للطائرات الورقية بينما يغتصب عاصف صاحب الطائرة الخاسرة حسن جنسيا على مرأىأمير الذي يلتزم بالصمت حتى لا يفقد الطائرة التي هي بمثابة فخر لوالده به. لايكتفي أمير بذلك فيقوم بتدبير مكيدة لحسن لارغامه على الرحيل. كيفيتعايش أمير بعد ذلك مع عقدة الاحساس بالذنب و كتلة المشاعر الأخرى المتناقضةبداخله والتي يسردها الكاتب الحسيني بشكل ينفطر له قلب القارئألماً.
يجتاح الروسأفغانستان فيرحل أمير إلى سان فرانسيسكو لينضم الى جالية أفغانية تعيش هناك، يتعرضالكاتب الى حياة الافغانيين في الغربة .. تقاليدهم ونظرتهم للمرأة والزواجوالعلاقات الانسانية. تبدأ القصة بصوت حسن وهو يعدو خلف طائرة ورقيةمخاطباً أمير (لأجلك أفعلها ألف مرة) وتنتهي مرة أخرى بنفس العبارة لأمير مخاطباًصرهاب طفل حسن اليتيم وهو يعدو بين الاطفال.
هذه الروايةالرائعة تم تحويلهالفيلم سينمائيسيتم عرضه في ديسمبر المقبلوسأحرص على مشاهدته حينما يصل الى دور العرض في البحرين ولمن يرغب في قراءة الفصولالأولى من هذه الرواية فهذا هوالرابط.
كاتب الرواية خالدحسيني أصدر رواية أخرى منذ شهور قليلة تحت أسمألف شمس ساطعةيتناول فيها حياة وهموم المرأةالافغانية وقد نالت ايضا اعجاب النقاد كما أدرجت ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعا حسبجريدة النيويورك تايمز.
ذكرني ذلك بأيام الدراسة حينما كانت الطالباتالمتفوقات يحرصن على أختيار صديقاتهن بعناية لأن المتفوقة قد تستفيد من صديقتهاالمتفوقة دراسيا اما الكسولة فقد يكون لها تأثير سلبي على مستواها الدراسي، ثم هناكضغط اولياء الامور الذين يميلون لتأييد هذا التوجه خوفاً من تراجع تحصيل ابنائهمالدراسي أو التأثير سلباً على الاسلوب التربوي الذي نشأوا عليه. والنتيجة ان الكثير من هؤلاء الطلبة يتفوقون دراسيا ويتخرجون من المدارسوالجامعات بأعلى الدرجات ولكن حينما تبدأ مرحلة الحياة العملية بعد التخرج أو حيناتخاذ قرار الارتباط يفشلون فشلا ذريعا بسبب عدم احتكاكهم بأنماط بشرية تختلف عنتلك التي عرفوها واعتادوا عليها.
ربما تغير الوضع قليلاً فيوقتنا الحالي بسبب انتشار وسائل العولمة من أنترنت وفضائيات ولكن نظرية الاقرانوالنظراء لازالت موجودة الى حد ما. فالمثقفون يحرصون على مخالطةأقرانهم من المثقفين، والموهوبون في مجال ما يميلون لمصادقة من توجد لديهم أهتماماتمماثلة، وبالتالي فأننا لا نتعلم ولا نطلع على الجانب الآخر من العالم الذي نحصرأنفسنا في جزء صغير منه.
شعرت بذلك بعد ان فكرت بتجربتي مع صديقتيالمولعة برياضة ركوب الخيل والتي تلحّ على منذ أكثر من عام لمرافقتها لاسطبل الخيولوزيارة متجرها الصغير لبيع كل ما يخص هذا الحيوان الرصين الذي تخلت لأجله عنمستقبلها المهني ووظيفتها المرموقة الا أنني كنت في كل مرة أسّوف لعدم أهتمامي بهذهالرياضة. في الوقت ذاته لم يكن لدي صديقتي الاهتمام والرغبه ذاتهالمرافقتي للندوات أو المعارض لأنها طبقاً لرأيها رتيبة ومملة. ثم جاءاليوم الذي أتفقنا فيه على تبادل الادوار وعلى دخول كلا منا الى عالم الأخرىوالنتيجة كانت ممتعة بالفعل فقد شعرت بشئ من التغيير وروح المغامرة ، ورغم أنأهتمامي لم ينمو بعد لحد الرغبة في تعلم ركوب الخيل الا أنني أصبحت مهتمة نوعا مابمعرفة كل شئ يتعلق بعالم الخيول.
الجانب الآخر هو ما أسمعه بين الحين والآخرمن أوصاف ونعوت من بعض الاشخاص لغيرهم على شاكلة .. فلان سطحي أو تافه أو غير متزنأو غير متعلم أو مثقف، مثل هذه الاحكام التي يصدرها البعض على الآخرين تفتقر الىالموضوعية، فالعلم والثقافة غير مرتبطين بالشهادات والا لما وجدنا الكثير من اباءناواجدادنا على درجة كبيرة من الذكاء والفطنة رغم تواضع مستواهمالدراسي.
اما بالنسبة للسطحية وعدم الاتزان فالموضوعنسبي وقد ينطبق علينا جميعا دون استثناء في حالات ومواقف معينة اذ لايوجد من هومطلع وملم بكل شئ في الحياة .. لا السياسة ولا الدين ولا المعلومات العامة مقياسلأن نطلق على انسان بأنه ذكي أو غبي، سطحي أو غير سطحي، هناك أوقات نحب ان نسمعفيها فيروز وهناك أوقات قد نطرب فيها لأغنية سخيفة .. هناك أوقات نقرأ فيها كتابفلسفيا جادا وهناك أوقات نقرأ كتاب للتسلية البحتة ونستطيع ان نقيس على ذلك الكثيرمن الاشياء. في رأيى الخاص ان من يحاول ادعاء سعة الاطلاع والجدية ويرفض الاختلاطبمن يظن بأنهم ادنى منه هو من يفتقد فعلا الى الاتزان والثقةبالنفس.
هل صحيح ان الطيور على اشكالها تقع وان مرآةالمرء صديقه؟لا أعتقد ذلك على الاقل بالنسبة لتجربتي الشخصية ، فبعضصديقاتي يكبرنني بعشر سنوات وبعضهن يصغرنني بعشر، شخصياتهن لا تشبه شخصيتي وميولهنلا تتطابق مع ميولي ، حينما أكون بصحبة بعضهن يكون الحديث جاداً وربما مفيداًوحينما أكون مع بعضهن الآخر فان الحوار لا يعدو سوى سرد لبعض الاحداث التي تدور فيمجال الاسرة والعمل أو تضييع للوقت في الضحك والسخرية.
لايهمني فعلاتوجهاتهن في الحياة ولا ما يطلقه الناس عليهن أو عليّ، ما يهمني هو التواصلالانساني الذي يربط بيني وبينهن بطريقة ما حتى وان أختلفنا من ناحية الجوهروالمضمون.جميعالشخصيات التي أعترضت حياتي مهما بلغت سطحيتها أوثقافتها وجدت فيها شيئا ما ساعدني على ان استدل طريقي في الحياة، الاستماع الىالآخرين والى تجاربهم قد يضاهي عيشنا لهذه التجارب دون ان نكون طرفاً فيها بالفعل،لذلك أتفق تماما مع زيلدن بان الكلام أرخص انواع المعرفة.
كنت متشوقة جدا لقراءة هذاالكتابخصوصا بعدمقطع الفيديو الرائع الذي عثرت عليه قبل فترة في يوتيوبوبعد ان نفذ من مكتبات البحرين بسرعة البرق فالدفعة الأولى منهذا الكتاب نفذت في الاسبوع الاول من عرضه واضطررت للانتظار لحين وصول الدفعةالثانية منه.
أنهمكت في القراءة ولكنني بعد عدةصفحات أدركت بأن الحملة الاعلانية التي صاحبت تسويق الكتاب كانت أكبر بكثير من حجمالسر الذي داعب مخيلة الكثيرين وجعلهم يتهافتون مثلي على اكتشافه. الكتاب يتحدث عن قانون الجذب وكيف ان افكارنا هي التي تصنعواقعنا واحداث حياتنا حينما نجعلها تتمكن منا وتسيطر علي عقولنا. والمشاركون في الكشف عن السر يؤكدون للقارئ بأن لأفكار الانسان مغناطيسيةخاصة وتردد كتردد الموجات الصوتية وانها تجتذب اليها الاشياء الموجودة على نفسالتردد وبأن هناك تفاعل خفي بين الانسان والكون من خلال هذا التردد الذي غالبا مايرجع للمصدر وهو الانسان بحسب الطريقة التى تم فيها ارسال التردد وهوالافكار.
لم يشدني مضمون الكتاب كثيرا فالافكار ذاتهاكانت تتكرر في كل صفحة ولكنه جعلني أفكر بصورة غير مباشرة في حجم الامور السلبيةالتي تسيطر علي تفكيرنا في كثير من الأحيان .. في الاشياء الرائعة التي حبانا بهاالله ولكننا لا نلتفت اليها معظم الوقت لانهماكنا في تفاصيل الحياة المزعجة .. فيقدرة الانسان واعجاز خلقنا الذيلا نستخدم منه سوى جزء بسيط .. في حجمالحب والخير الذي اودعه الله في الانسان الذي لم يُخلق ليكون شيطان آخر ولكنهخُير من خلالتفكيره وافعاله في اختيار حجم الخير او الشربداخله.
السر حسبمؤلفةالكتابان بإمكان اي انسان ان يكون ما يريد ويحصل على ما يشاء اذا مافكر بدون ذرة شك بأن ذلك هو ما سيحصل عليه بالفعل، اما السر في نظري فهو الايمان .. الايمان الذي يفتقده معظمنا فنحن ندعو الله ونحن غير واثقين أو مطمئنين لاستجابتهلدعاؤنا .. نشك ونتوجس خيفة من كل شئ ونقدم التوقعات السلبية على الايجابيةمنها.
بشكلعام كتاب يستحق القراءة اذا كنت ترغب في إعادة النظر في طريقة تفكيرك وأسلوبحياتك.
تحديث:: مقطع من الفيلم الذي يتطرق الى نفس مضمون الكتاب موضوع البوست